فهرس الكتاب

الصفحة 2966 من 3657

وهؤلاء هم أحباب محمد صلى الله عليه وسلم في العالم الإسلامي, بل العالم أجمع يهبُّون لنصرته بالدعوات, والمؤتمرات, واللقاءات, والمقاطعات, بل والملصقات، فالله الله أن يكونوا على أثر محمد صلى الله عليه وسلم في تحقيق مقاصده؛ مقاصده في جمع الكلمة, ونبذ الفرقة، وفي تحقيق الإيمان والدعوة إليه، وفي مواقفه النبيلة عليه السلام.. ولنا في كل ذلك سنة واقتداء ولو كره المبطلون.

وأظن أنه لم يمر بالمسلمين عصرٌ يحتاجون فيه إلى إحياء سنته صلى الله عليه وسلم العلمية والعملية ومقاصده مثلما يحتاجون في هذا العصر، هنا وهناك انقسامات مذهبية حاضرة لتقديم شخصيات إسلامية إما نظرياً أو عملياً فوق مستوى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى مستواه، وانقسامات فكرية داخل مجتمعات المسلمين, قد تكون بسبب مؤثرات داخلية أو خارجية سواء كانت أفكاراً شرقيةً أو غربية، ولَّدت أشكالاً من التفرق، وانقسامات حركية في الجماعات الإسلامية المختلفة حتى ربما أعطي زعيم الجماعة -أحياناً- نوعاً من المكانة والهالة عند بعض الأتباع مما يرفضه المتبوع نفسه بسبب الارتباط العاطفي المتضخم, والولاء الفكري الراسخ.

ونحن في حاجة إلى سنته عليه السلام في صبره ويقينه، وعلى سبيل المثال: كان صلى الله عليه وسلم يتدرج في الدعوة إبان الفترة المكية، وتدرُّجه نوعٌ من الصبر الذي وصف الله به الأنبياء: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} السجدة: 24)، ومن هذه الآية قال سفيان كلمته الشهيرة: (بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين) .

ولمَّا هاجر إلى المدينة صلى الله عليه وسلم كان يمشي بخطوات ثابتة ومواقف مدروسة، ولم يكن يغريه أن يقفز قفزات غير مناسبة, أو يحرق المراحل، وحتى ما يعدُّه الناس تراجعاًً أو فشلاً كان ينظر إليه وفق خطة عامة ذكية على أنه نجاح كبير, مثل صلح الحديبية, فمع أن بعض الصحابة صنَّفوه على أنه نوع من التنازل عدَّه صلى الله عليه وسلم نجاحاً كبيراً، بل سمَّاه الله فتحاً, كما قال تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} الفتح: 1-2)، فإن الآيات في صلح الحديبية على قول أغلب المفسرين.

ولمَّا رجع الناس من غزوة مؤتة -كما عند البيهقي في الدلائل وسيرة ابن إسحاق- كان بعض مَن استقبل المسلمين في المدينة يَحْثُونَ فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ وَيَقُولُونَ: يَا فُرَّارُ! أَفَرَرْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَيْسُوا بِفُرَّارٍ, وَلَكِنَّهُمْ كُرَّارٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ) ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ينظر للأمر من مبدأ عام, ويمشي بخطوات ثابتة حتى وصل صلى الله عليه وسلم إلى المستوى والتأثير المعروف.

وإن من سنة النبي صلى الله عليه وسلم فهمه لنفسيات الناس, وإدراكه لطريقة التعامل معهم, وحسن أخلاقه, ولطفه, وتجرُّده من أدواء النفس وخفاياها وأوضارها، وربما وجدت داعية إلى سنته صلى الله عليه وسلم يبتعد مع الأيام في قضاياه عن الدعوة؛ لكي يقترب من نفسه، فيرتبط بموقفه الخاص أكثر, ويغريه اهتمام الناس بذلك وحديثهم عنه, فتدور نقاشاته حول ذاته، وحتى حزنه على مَن رد دعوته هو في حقيقته ليس لفوات الخير عن الناس ورحمته لهم، بل لإحساسه بالتعرض لنوعٍ من الإهانة والابتذال، لتنتهي حقيقة الدعوة عند هذا وتبدأ حظوظ النفس ومشكلات القلوب.

ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم التي يقفزها الكثير من أتباعه مساعدته للناس على قبول دعوته، ولقد بلغ في هذا إلى قدر عظيم, حتى بنى جسراً للعدو الهارب, وفتح خطاً للرجعة لمن رفض القبول، ولم يكن صلى الله عليه وسلم يذكّرهم ويعيّرهم بالماضي الذي قد يؤذيهم أو يبعدهم من هذه الدعوة, بل ساعدهم على النسيان حتى عفا عمن أخطؤوا عليه عام الفتح, وقال: (اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ) كما في السيرة النبوية وسنن البيهقي وتاريخ الطبري. ونهى عن سب المشركين الأموات حتى لا يؤذوا الأحياء.

وقد تجد من المصلحين اليوم من يشرف بنفسه على صنع الخصومة, ويضع العقبات لمن يظهر منه استجابة، من حيث يشعر أو لا يشعر، ويفتح باباً طويلاً عريضاً للمحاسبة في أخطاء الماضي وللشروط في قبول الدعوة كأنه يسعى لتأجيل استجابة الناس وتأخير وصولهم إلى بر الأمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت