فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 3657

كما أفادت الآية أنه إذا عظم البلاء، واشتدت المحن اقترب النصر؛ فعند سؤالهم متى نصر الله؟! كان الجواب: ألا إن نصر الله قريب!!

إن المسلم وهو ينظر إلى الأوضاع الدولية المعاصرة، وما أصاب المسلمين من ضعف وهوان واستئساد أعدائهم عليهم، وطمعهم في بلدانهم وثرواتهم، وقتلهم لإخوانهم، وتشريدهم، وأذيتهم، والسعي الحثيث لتغيير دينهم وعقيدتهم، والاعتداء على نبيهم محمد {، ووصفه بالإرهاب، وسفك الدماء، وغيرها من الأوصاف المنفرة، وادعاء أن القرآن مصدر الإرهاب، وغير ذلك من التهم الجاهزة التي صار يلقيها كل من يريد الطعن في الإسلام، أو يريد أن ينال الشهرة الإعلامية على حساب الإسلام وشريعته من كفار ومنافقين؛ مع ضعف المسلمين وعجزهم عن الدفاع عن دينهم وعقيدتهم. إن من يرى ذلك كله ليوقن بأن دائرة المحن والابتلاءات باتت تضيق بالمسلمين كل يوم؛ لتستخرج الصادق في إسلامه من الكاذب، والمؤمن من المنافق؛ مصداقًا لقول الله سبحانه: ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين 10 وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين 11 العنكبوت: 10، 11} . وقوله سبحانه: وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين 141 أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين 142 {آل عمران: 141، 142} .

فهنيئًا والله لمن ثبت على دينه مع شدة الابتلاءات والمحن، ويا خسارة من أخرجته الفتن والمحن والابتلاءات من دينه فبدل وغير أمر الله تعالى؛ إرضاء للبشر، وويل لمن حاول الحفاظ على دنياه بخسارة دينه؛ فذلك الذي لن تسلم له دنياه ولا آخرته نسأل الله تعالى السلامة والعافية، كما نسأله الثبات على الحق.

إنه يجب على المسلمين في هذه الظروف العصيبة، وتجاه هذه الأحداث العظيمة أن يعوا أصولًا مهمة قررها ديننا هي من أسباب الثبات على الحق في حال الفتن والمحن ومن هذه الأصول:

أولًا: أنه لا يحصل شيء في الكون إلا بتقدير الله تعالى وتدبيره، وأنه تبارك وتعالى يعز من يشاء ويذل من يشاء؛ كما قال سبحانه: قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على"كل شيء قدير 26 {آل عمران: 26} ."

فهو سبحانه قادر على أن ينتشل المسلمين من حضيض الذلة والمهانة، ويرفعهم إلى مراقي العزة والكرامة، وقد جعل سبحانه وتعالى سبيل ذلك الموصل إليه: التمسك بشريعته، كما أنه سبحانه قادر على أن يدحر المنافقين والكافرين، وينكس راياتهم، ويحبط مخططاتهم، ويبطل كيدهم، ويردهم على أعقابهم خاسرين؛ إذ إنه عز جاره على كل شيء قدير، والأمر كله بيده، ولا يخرج شيء عن تدبيره سبحانه وتعالى، ولما تناطحت القوتان الرومانية والفارسية في أول الإسلام، وأخبر الله تعالى عن غلبة الروم على فارس عقب على ذلك بقوله سبحانه: لله الأمر من قبل ومن بعد 4 {الروم: 4} ، فالأمر لله تعالى قبل هزيمة فارس وبعدها، وقبل غلبة الروم وبعدها، ومن أراد النصر فعليه أن يطلبه ممن يملكه وهو الله سبحانه؛ وذلك بطاعته واجتناب معصيته.

ثانيًا: أن ما يملكه الأعداء من أسلحة الدمار الشامل التي يخوفوننا بها لا تخيفنا، ولا تذلنا وتخضعنا لإرادتهم إذا كانت على حساب ديننا وسيادتنا؛ لأن هذه الأسلحة المدمرة هي أسلحة ردع، وإذا ما استخدمت عادت بالضرر على الضارب والمضروب في الغالب، ومن المعلوم أن الكافر والمنافق يخاف الموت، ويريد الحياة كما قال الله تعالى: ولتجدنهم أحرص الناس على"حياة 96 {البقرة: 96} وأخبر أنهم يفرون من الموت وهو ملاقيهم."

وسبب خوفهم من الموت أنهم لايرجون إلا الدنيا فحسب، ولايرجون الآخرة التي يرجوها المسلم، ويأمل فيها، فليس لهم إلا فرصة واحدة لا يمكن أن يغامروا بها بخلاف المؤمن الذي يرى أن فرصته الكبرى هي في الآخرة وليست في الدنيا. ومن مقررات مذهب أهل السنة والجماعة: أن من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، موقنًا بها قلبه فمآله إلى الجنة برحمة الله تعالى ولو كان من أهل الكبائر؛ فمم يخاف المؤمن؟!

إن ذلك لا يعني بطبيعة الحال أن نتمنى لقاء عدونا مع عدم تكافؤ القوى، ولا أن ننشد ضربهم للمسلمين بأسلحة الدمار الشامل؛ فذلك مخالف لقول النبي:"لا تتمنوا لقاء العدو وأسألوا الله العافية" (رواه البخاري 109/6 ومسلم 1742) ولكننا في الوقت نفسه لن نتخلى عن ديننا لأنهم يخوفوننا بما يملكونه من سلاح وعتاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت