وليس تقرير عقوبة السارق وتضمين الغاصب إلاّ ضماناً لحرية الملكية. قال تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) وقال عليه السلام:"ولا يحل لأحد أن يأخذ متاع أخيه لاعباً ولا جاداً، فإن أخذه فليرده عليه"وقال:"على اليد ما أخذت حتى ترد".
ومما يؤيد حق الملكية في أحكام الإسلام قوله صلى الله عليه وسلم لمن كان يغبن في المبادلات"إذا بايعت فقل: لا خلابة، ولي الخيار ثلاثة أيام"ونهيه عن بيع الغرر، فإن في تجويز شرط الخيار والنهي عن بيع الغرر ضمانة لتحقق رضا المالك بالتبادل وعدم خروج الملك من مالكه وفي نفسه شبهة قهر أو خداع له. بل إن تقرير حق الشفعة إذا نظر إليه من ناحية أنه لدفع الضرر عن الجار أو الشريك يؤيد احترام الملكية وإحاطة المالك بما يدفع عنه الضرر ويحول بينه وبين الانتفاع بملكه.
حرية الاعتقاد1
الإسلام أقر هذه الحرية، وترك لكل فرد الحرية التامة في أن يكّون عقيدته بناء على ما يصل إليه عقله ونظره الصحيح، وذلك أن الإسلام جعل أساس التوحيد والإيمان البحث والنظر، لا القهر والإلجاء، ولا المحاكاة والتقليد. ففي كثير من آي الكتاب الكريم لفت الناس إلى النظر في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء، ليهتدوا هم بهذا النظر إلى الإيمان الصحيح والدين الحق، كقوله تعالى: (أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء) وقوله تعالى: (إنَّ فِي خَلقِ السَّمَاواتِ وَالأَرضِ وَاخْتِلافِ الَّليلِ وَالنَّهارِ، وَالفُلكِ الَّتي تَجْري فِي البَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ، فَأَحْيَا بِهِ الأَرضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيَها مِن كُلِّ دَآبَّةٍ، وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالأَرضِ، لأَيَاتٍ لِّقَومٍ يَعْقِلُونَ) ، وفي كثير من الآي الكريمة نعى على من آمن بطريق التقليد لا بطريق البحث والنظر، كقوله تعالى: (بل قالوا إِنَّا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون) ، وفي كثير من الآي نفي للإيمان بطريق الإكراه والقسر كقوله تعالى: (لآ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ) ، وكقوله تعالى: (أَفَأَنتَ تُكْرهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) وكقوله تعالى: (لكمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) .
فإذا كان أساس الاعتقاد في الإسلام النظر العقلي والبحث والتفكير في آيات الله ولا محاكاة، ولا تقليد، ولا إلجاء، ولا إكراه، فليس أضمن لحرية الاعتقاد من هذا. ويؤيده ما جاء في الكتاب الكريم من أنه لا سلطان للداعي غير سلطان التذكير والموعظة الحسنة، قال تعالى لرسوله: (فذَكِّر إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ، لَّستَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ) .
هذا ما يؤيد حرية الاعتقاد في الإسلام وإما ما يقرره حماية إقامة الشعائر، فإن الإسلام جعل لغير المسلمين الحرية التامة في أن يقيموا شعائر دينهم في كنائسهم ومعابدهم وجعل لهم أن يتبعوا أحكام دينهم في معاملاتهم وأحوالهم الشخصية. والأصل في هذا قوله صلى الله عليه وسلم في شأن الذميين:"لهم ما لنا وعليهم ما علينا"وجميع العهود التي كانت تعطى للمعاهدين كان يقرن فيها بالتأمين على الأنفس والأموال التأمين على العقائد وإقامة الشعائر، وفي عهد عمر لأهل إيليا ما نصه"أعطاهم الأمان لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وسائر ملتهم، لا تسكن كنائسهم ولا ينقص منها ولا من خيرها ولا من صلبهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم". فالإسلام في تكوين العقيدة أطلق للعقل عنان النظر، وفسح له في مجال البحث والتفكير في الآيات والدلائل وفي حماية عقائد المسلمين أحاطها بما يكفلها ويحفظها وترك أرباب كل دين وما يدينون به.
حرية الرأي
الإسلام في شأن هذا الحق نظر إلى موضوع الرأي: إما أن يكون أمراً دينياً، أو غير ديني.
فإن كان الأمر غير ديني، فلكل فرد أن يبدي رأيه فيه حسبما يراه، ويُعرِب عنه بالوسيلة الميسورة له، وقد حدث في صدر الإسلام وبعده عدة حوادث تدل على حرية الرأي وإقراره في هذه المواضع: من ذلك أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم أشار على المسلمين في بعض الغزوات أن ينزلوا موضعاً معيناً، فسأله أحد الصحابة: أهذا منزل أنزلكه الله؟ أو هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة... قال الصحابي للرسول: ليس هذا بمنزل... وأشار بإنزال المسلمين منزلاً آخر، وتحولوا. واختلاف أبي بكر وعمر في حكم الأسرى على مسمع من الرسول خبره مستفيض. وكذلك اختلاف كبار الصحابة في شأن الخلافة وكثير من الشؤون.