4-محاولة استمالة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإقناعه بالعدول عن الدعوة: فقد عرض عليه زعماء قريش الملك والمال والنساء، أرسلوا إليه عتبة بن ربيعة سيد قومه، فذهب إليه وهو يصلي في المسجد فقال له: 'يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت، من خيارنا حسبًا ونسبًا، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها: إن كنت تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد شرفًا سوّدناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا من الجن لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطبيب, وبذلنا فيه أحوالنا حتى نبرئك منه...'إلخ القصة.
فهكذا كان زعماء قريش يحاولون إقناع محمد صلى الله عليه وسلم بالعدول عن الدعوة، أو التنازل عن شيء منها مقابل تنازلهم عن أشياء، فكان قوله تعالى:وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [9] } [سورة القلم] . فثبت الرسول أصحابه في الموقف الذي لا يحتمل مساومة، ولا تعددًا.
5-أسلوب التعذيب: لما رأى زعماء قريش إصرار الرسول صلى الله عليه وسلم، وانتشار الإسلام؛ توجهوا إلى مقاومة الإسلام عن طريق تعذيب العبيد والضعفاء من المسلمين؛ ليعودوا إلى الشرك، وليحولوا دون إسلام المزيد، فكان من صور هذا التعذيب: أن يعرّى صدر المسلم، ويطرح فوق الرمال المتوهجة من شدة حرارة الشمس، ويوضع على أجسادهم الصخور الثقيلة، ويمنع عنهم الماء والطعام، وتقيّد أيديهم وأرجلهم بقيود الحديد، ويجلدون بالسياط جلدًا شديدًا، فزهقت أرواح بعضهم.
ومن بين الذين تعرضوا لمثل هذا العذاب: ياسر وزوجته سمية، وابنهما عمار، وبلال بن رباح, وخباب بن الأرت، فكان المشركون يخرجون ياسرًا وزوٍجة وابنه إلى الأبطح إذا حميت الرمضاء ويعذبونهم بحرّها، فيمر الرسول صلى الله عليه وسلم، فيقول: [صَبْرًا آَلَ يَاسِرٍ فَإنَّ مَوْعِدَكُمْ الجَنَّةُ] رواه الحاكم والطبراني في الكبير والأوسط والبيهقي في شعب الإيمان. وقد مات ياسر وهو يعذّب، وأما زوجه فقد طعنها أبو جهل بحربة فقتلها.
وقد ضرب المسلمون مثلًا خالدًا للتمسّك بالعقيدة، وتحمّل أنواع الأذى، والتضحية بالنفس، وكان بعضُ المسلمين الأغنياء -وخاصة أبا بكر- يشترون الأرقاء المضطهدين من مالكيهم، وينقذونهم.
ثم خطا المشركون خطوة أخرى في التعذيب: فأخذوا يعتدون على المسلمين جميعًا ودون تمييز حتى شمل الاعتداء ذوي الثراء والوجاهة والقوة: كأبي بكر، وعثمان، والزبير، وطلحة، وأبي عبيدة، وعثمان بن مظعون، فقد شدّ نوفل بن خويلد وكان يسمى [أسد قريش] أبا بكر وطلحة القرشيين بحبل واحد، فسميا القرينين, وعذب أبو أحيحة ابنه خالد بن سعيد بن العاص، فكان يضربه بقراعة في يده حتى يكسرها على رأسه، ثم يأمر بحبسه ويضيّق عليه، ويجيعه ويعطشه، حتى لقد مكث في حر ّمكة ثلاثًا ما ذاق ماءً.
ونتيجة لتعرض المسلمين جميعًا للعذاب أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة في السنة الخامسة من بعثته.
6-تهديد الرسول صلى الله عليه وسلم بالكف عن دعواه، والعدوان عليه: حين باءت أساليب مقاومة كفار قريش بالفشل؛ لجأوا إلى عمه أبي طالب، وقال زعماؤهم: 'يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سبّ آلهتنا، وعاب ديننا، وسفّه أحلامنا، فإما أن تكفّه عنا، وإما أن تخلّي بيننا وبينه'. فردّهم أبو طالب ردًّا جميلًا دون أن يتوقف صلى الله عليه وسلم عن نشاطه، أو يتهاون في الدعوة.
فعاودوا الكرة، وخاطبوا أبا طالب بلهجة المتوعد المهدد، وأنهم لن يصبروا على هذا الحال، وخيرّوه بين أن يمنعه عمّا يقول، أو ينازلوه وإياه حتى يهلك أحد الطرفين، فعظم الأمر على أبي طالب فكلّم محمدًا صلى الله عليه وسلم بما جاء به إليه قومه وقال له:
'يا ابن أخي، إن قومك جاءوني وقالوا لي كذا وكذا، فأبق عليّ وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر مالا أطيق'. فكان ردّ المبلّغ الداعية إلى الحقّ الذي يحمل نفسًا أبيّة لا تعرف الذل، ولا تنحني للوهن، ينظر إلى خصمه من علٍ؛ لأنه يستمد القوة من عزيز حكيم، ينظر إلى زخارف الدنيا وكأنها أوراق الخريف تتطاير في الهواء، ويحتقر أبهة المشرك وعظمته، يستعلي على الدنيا بإيمانه، فهو على الحق وان لقي العنت الشديد, قال صلى الله عليه وسلم: [مَا أَنَا بِأَقْدِرَ عَلَى أَنْ أَدَعَ لَكُمْ ذَلِكَ عَلَى أَنَ تُشْعِلُوا لِي مِنْهَا شُعْلَةً - يَعْنِي الشَّمْسَ- ] رواه أبويعلى وابن عساكر. فطمأنه أبو طالب ووعده الاستمرار في حمايته.