فهرس الكتاب

الصفحة 2941 من 3657

دعونا في البداية نناقش اعتراضاتهم لنرى مدى شرعيتها وخاصة أنهم ممن يتجلببون بعباءات الشرع، وبالطبع هذا النقاش ليس ليقتنعوا به، فهم قد آلوا على أنفسهم ألا يقتنعوا إلا بأفكارهم ما دام الدين - حسب رأيهم- حكراً عليهم ولا يعلمه إلا الراسخون في العلم من أمثالهم، لكن غاية النقاش أن يعلم بعض تلامذتهم مدى ضعف حججهم وضخامة غوغائيتهم؛ وتتمثل هذه الاعتراضات في تواجد النساء في بعض الوفود الخارجية وهو ما يعني اختلاطهن بالرجال وفي كشف وجوههن وفي سفرهن من غير محرم؛ وإذا بدأنا باصطحاب النساء في السفر فهي سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام، سواء كن أمهات المؤمنين أو غيرهن، ومن المعلوم أن بعض الصحابيات كن يتطاولن لنيل ذلك الشرف خاصة في الغزوات ومنها تلك التي حدثت بعد فرض الحجاب كغزوة خيبر وحنين، وإذا كان الجهاد في العهد النبوي تمثّل بعد استقرار الدولة المسلمة والتمكين لها في المدينة المنورة بالجهاد القتالي فإن أحد أهم أركان هذا الجهاد هو إعداد القوة المادية، وهو الركن المفروض على الأمة سواء كان التمكين لها أم لغيرها، أي سواء كان الجهاد القتالي مفروضاً عليها أم لا؛ وفي حال غياب هذا التمكين - كما هو حال المسلمين اليوم- فإن قوة الإيمان وحدها لا تكفي ولا بد من التماس القوة المادية سواء على الصعيد الداخلي بإعلاء قيم تماسك المجتمع أو على الصعيد الخارجي بفتح الأبواب الموصدة أمام المسلمين وهو ما يدخل في إطار السياسة الشرعية التي تصبّ في المصلحة العامة، وبالتأكيد فإن مصلحة المسلمين عامة - وليس مصلحة السعوديين فحسب- تكمن في تقديم نموذج مشرق لإسلام وسطي معتدل يعطي المرأة حقوقها في الأسرة والمجتمع، ولا يخفى على عاقل أن وجود النساء في تلك الوفود المبارك يتضمن إشارةً واضحةً لسياسة المملكة الإصلاحية في تمسّكها بالأصالة دون أن تعني تخلفاً عن ركب المعاصرة.

أما مشاركة النساء للرجال في بناء المجتمع فهي أصل موجود في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة، فالولاية بين المؤمنين والمؤمنات التي تدلّ عليها الآية الكريمة: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) لا يمكن أن تتحقق بدون هذا الالتقاء، ومن المعلوم أن ثمة ضوابط تحكم هذه المشاركة ومنها التزام المرأة باللباس الشرعي المكوَّن من الخمار الساتر للشعر والنحر، والثوب السابغ للجسد، وذلك لأن الإسلام يقوم على دعامتين: دعامة من الأخلاق الفردية كالغض من البصر، ودعامة من الأخلاق الاجتماعية كالتزام النساء بالاحتشام والعفة؛ وقد ذكرت في مقالات عديدة أن وجه المرأة ليس فيه فتنة إلا إذا نظر الرجل بشهوة، والأمر بالغض من البصر قد ورد في القرآن للرجال والنساء، أما إذا غطت المرأة وجهها وكفيها وتسربلت بالسواد العريض من قمة رأسها إلى أخمص قدميها، لها، فعمّ يغض الرجل بصره؟ يجب أن نقول للمصرّين على هذا الفهم الخاطئ والذين يخشون على أنفسهم حتى من سواد الثياب: المقصود بالبصر هو الحاسة التي محلّها العين، وليس تخيلات الرجل وأوهامه وهواجسه بشأن ما غطّته الثياب السابغة، وذلك لأن الخيالات قد تعنو للمريض النفسي فيتخيل امرأة داخل ثياب معروضة في واجهة محل للأزياء، فهل نمنع عرض الأزياء في المحلات بما فيها العباءات السوداء؟ حاشا القرآن أن يقول كلمةً لا داعي لها، وحاشا القرآن أن يخطئ لأنه إذا كان المقصود تغطية الوجه في عبارة (وليضربن على جيوبهن) ، لوجب أن تستبدل بعبارة (وليضربن على وجوههن) كما قال الإمام ابن حزم، ويكفي بالحديث المروي في البخاري: (لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين) دلالة على عدم اعتبار الوجه والكفين عورة داخل الإحرام حتى يكون ذلك عورة خارجه، ولمن قال بالإسدال فهو مجرد خيار لمن اعتادت في قبيلتها أو قومها ستر الوجه وليس فرضاً على جميع المسلمات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت