وقد أعز الله في هذا اليوم آناف المسلمين ، وأذل آناف الكافرين وكان في أيام الفتح الأعاجيب ، قوم صهرهم الإسلام في بوتقته ، وتوقد فيهم قيام الليل وصيام النهار وعفة العمر ذكاء ، فلا ينكقون إلا عن قسطاس ، ولا ينصرفون إلا عن قصد ، فإذا انتشقوا الحسام ، وأشهر والصمصام ، وأمسكوا الأعنة ، وأشرعوا الأسنة ، فهم حينئذ الوحوش الضواري في البراري ، والضراغم الضياغم في الملاحم ، في المفاوضات محدثون بخباء ، ومفاوضون علماء أذكياء - أين منهم أخباء القوم في تفاوضهم ، وألبادهم في تعارضيهم ، فإذا ساروا فسير الغازي الحذر ، المحارب المكر ،حتى إذا التقت الأجساد ، وهلعت الآساد ، واقتلعت القلوب والأكباد ، وقعقعت السيوف ن وشعشعتالحتوف ، فهم يومئذ همو:
حتى إذا ازور الفوارس وانحنت أصلاب أهل الخبرة الأكفاء
وارتاعت الأبطال من خوف الردى وأتى الشجاع بلكنة ووعاء
لم تلق غير المسلمين تثبتا أنعم بهم من رفقة ولواء
أظفرها الله بالعدد بعد طول مناجزة ، وأدخلهم مكة بعد طول اغتراب ، وأصبح أمان الرجل الشديد من قريش أن يغلق عليه داره كالنساء ، وأسلم الصناديد ، وحطمت الأوثان ، وظهر أمر الله وهم كارهون .
ثم بدأت معركة هدم الأصنام في الكعبة وحولها ، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنما إلا كسره وبعث عمرو بن العاص في شهر رمضان إلى"سواع"وهو صنم لهذيل ، فهدمه ، وأسلم سادن لله تعالى وقوالب البعوث لتطهير الجزيرة من الأصنام ، فهدم سعد بن زيد من بني عبد الأشهل"مناة"وهدم خالد بن الوليد"العزةى".."
ثم أرادت هوازن حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما علمت بفتحة مكة ، وعزموا الأمر إلى هذا الضلال المبين ، فخرج لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والتفوا عند وادي حنين ، وكان المسلمون كثرة ، وكانت هوازن في عدتها ، فهجم المشركون هجمة رجل واحد ، وحملوا على المسلمين ، فانكشفوا - وكانوا يظنون ألن يغلبوا مادامو كثرة ، وقد رأوا من قبل أن النصر لا يكون بالكثرة ، فوقع بهم ذلك ابتلاء من الله وتنبيهًا لهم إلى حقائق لا ينبغى أن تغيب .
ولكن رسول الله ثبت حين انكشاف المسلمين ، ودعاهم ثانية فاستجاب الصحابة والتفوا حول النبي الكريم صلوات الله عليه ، وشهر رسول الله صلى عليه وسلم سلاحًا من الألأسلحة الغريبة على القوم ، التي ما يصنعون شيئا في ردها ، قال العباس:"ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصيات ، فرمى وجوه القوم ، ثم قال: انهزموا ورب محمد . قال: فما هوإلا أن رماهم ، فمازلت أرى حدهم كليلا ، وأمرهم مدبرًا وانهزم المشركون ، وسبى منهم المسلمون وغنموا ، كان السبي ستة آلاف رأس ،واالإبل: أربعة وعشرين ألفًا ، والغنم أربعين ألف شاة ، والفضة أربعة آلاف أوقية ."
ثم جاءت غزوة تبوك سنة تسع ، وهي غزوة العشرة حيث كان الناس في عشرة وجدب ، وهي الغزوة التي سماها باسمها قبل الخروج إليها ، وهذه الغزوة هي التي غزا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الروم ) .
وفيها من عجائب النفاق ، وكيفية الانزلاق عن مواطن الجد ، والإباق من مواقف الشد ، والاعتذار عن الجهاد بالأعذار ، ما فيها من العجب العجاب وفيها من حرص الصحابة الأطهار على رضا نبيهم ونصرة دينهم ما يوصف من عظمته إلا بسرد حكايته ، وهي طويلة ، وإنما قصدنا أوجز الإيجاز ، والإيناس بسيرة سيد الناس .
ثم فيها من معجزات رسول الله ما يقر العين وبثلج الصدور ويثبت القدم .
وانتهت الغزوة بظفر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد مسير مرير ، وطريق شاق وعسير ، وجلاد وجهاد ، وقلع أكباد وأوتاد ، ورجع ظافرًا بمصالحة أهل أيلة له ، وكذلك مصالحة أهل"دومة الجندل"له على الجزية وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فاستقبلته الناس والنساء والجواري والصبيان ، يغنو وغنت الجواري:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
وهذا هو الصحيح ، أن هذا النشيد كان فقول النبي صلى الله عليه وسلم من"تبوك"وليس مقدمة المدينة ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة لم يدخلها من"ثنية الوداع"والله أعلم .
وكانت غزوة تبوك آخر غزوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفيها نزلت سورة براءة أو ( الفاضحة ) أو ( المبعثرة ) التي كشفت من سرائر المنافقين وخبايا قلوبهم .