فأهل الإفراط منهم الذين بالغوا في محبته صلى الله عليه وسلم بابتداعهم أمورًا لم يشرعها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ظنا منهم أن فعل هذه الأمور علامة المحبة وبرهانها كالاحتفال بمولده والمبالغة في مدحه لدرجة إشراكه في صفات خاصة لله عز وجل كما سأذكر نماذج منه لاحقًا، وهؤلاء ينبغي أن يعلموا أن محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تكون بالغلو فيه بل بتصديقه فيما اخبر به عن الله، وطاعته فيما أمر به ومتابعته ومحبته وموالاته.
أما أهل التفريط وهم المقصرون في حق النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقدموا حبه على حب النفس والأهل و المال والولد ولم يعزروه ويوقروه ويتبعوا سنته والسبب في ذلك يعود إلى:
1-جهل الكثير منهم بأمور دينهم بما فيها الحقوق الواجبة له صلى الله عليه وسلم والتي من ضمنها محبته فهؤلاء يجب عليهم أن يتعلموا أمور دينهم بما فيها الحقوق الواجبة له صلى الله عليه وسلم.
2-إعراض هؤلاء عن سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم وعن اتباع شرعه بسبب ما هم عليه من المعاصي وإسرافهم على أنفسهم وتقديمهم شهوات أنفسهم وأهوائهم على ما جاء في الشرع من الأوامر والنواهي.
فالواجب على هؤلاء الإقلاع عن الذنوب والمعاصي التي هي سبب نقصان إيمانهم وضعف محبتهم وبعدهم عما يقربهم إلى الله تعالى.
وأما الذين توسطوا بين الإفراط والتفريط فهؤلاء هم السلف الصالحين من الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم من الذين آمنوا بوجوب هذه المحبة حكمًا وقاموا بمقتضاها اعتقادًا وقولًا وعملًا فأحبوا النبي صلى الله عليه وسلم فوق محبة النفس والولد والأهل وجميع الخلق امتثالًا لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فجعلوه أولى بهم تصديقًا لقوله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) وقاموا بمقتضى هذه المحبة فآمنوا وصدقوا بنبوته ورسالته وما جاء به عن ربه عز وجل، واعتقدوا أنه ليس من المحبة فيء شيء الغلو في حقه وقدره ووصفه بأمور اختص الله بها وحده بل علموا أن في هذا مخالفة ومضادة لتلك المحبة ومناقضة لما أخبر به سبحانه وتعالى ( [14] ) .
أقسام محبته- صلى الله عليه وسلم:-
وهنا يذكر ابن رجب أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم على درجتين:
أحداهما: فرض، وهي المحبة التي تقتضي قبول ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند الله وتلقيه بالمحبة والرضا والتعظيم والتسليم، وعدم طلب الهدى من غير طريقه بالكلية ثم حسن الاتباع له فيما بلغه عن ربه من تصديق في كل ما أخبر به وطاعته فيما أمر به من الواجبات والانتهاء عما نهى عنه من المحرمات ونصرة دينه والجهاد لمن خالفه بحسب القدرة فهذا القدر لابد منه ولا يتم الإيمان يدونه.
والدرجة الثانية: فضل، وهي المحبة التي تقتضي حسن التأسي به، وتحقيق الإقتداء بسنته وأخلاقه وآدابه ونوافله وتطوعاته، وأكله وشربه ولباسه وحسن معاشرته لأزواجه وغير ذلك من آدابه الكاملة وأخلاقه الطاهرة ( [15] ) .
وفي فتح الباري عن بعض العلماء أنه قال: محبة الله على قسمين فرض وندب،
فالفرض: المحبة التي تبعث على امتثال أوامره والانتهاء عن مناهيه والرضا بما يقدره فمن وقع في معصية من فعل محرم أو ترك واجب فلتقصيره في محبة الله حيث قدم هوى نفسه، والتقصير تارة يكون مع الاسترسال في المباحات والاستكثار منها فيورث الغفلة المقتضية للتوسع في الرجاء فيقدم على المعصية أو تستمر الغفلة فيقع، كذلك محبة الرسول صلى الله عليه وسلم على قسمين كما تقدم، ويزداد: ألا يتلقى شيئًا من المأمورات والمنهيات إلا من مشكاته، ولا يسلك إلا طريقته ويرضى بما شرعه حتى لا يجد في نفسه حرجًا مما قضاه ويتخلق بأخلاقه في الجود والإيثار والحلم والتواضع وغيرها ( [16] ) .
بواعث محبة النبي صلى الله عليه وسلم:-
يدعو المسلم إلى محبة النبي صلى الله عليه وسلم أمور عدة منها:-
1-موافقة مراد الله عز و جل في محبته لنبيه وتعظيمه له فقد أقسم بحياته تعظيما له في قوله (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون) كما أثنى عليه فقال: (وانك لعلى خلق عظيم) (القلم4) وقال: (ورفعنا لك ذكرك) .
قال ابن القيم: وكل محبة وتعظيم للبشر فإنما تجوز تبعا لمحبة الله وتعظيمه كمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمه فإنها من تمام محبة مرسله وتعظيمه، فإن أمته يحبونه لمحبة الله له ويعظمونه ويجلونه لإجلال الله له فهي محبه لله من موجبات محبة الله، وكذلك محبة أهل العلم والإيمان ومحبة الصحابة رضي الله عنهم - وإجلالهم تابع لمحبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ( [17] )
2-أن محبته وتعظيمه صلى الله عليه وسلم من شرط إيمان العبد بل الأمر كما قال ابن تيمية:"إن قيام المدحة والثناء عليه والتعظيم والتوقير له قيام الدين كله وسقوط ذلك سقوط الدين كله" ( [18] ) .
3-ما ميزه الله تعالى به من شرف النسب وكرم الحسب وصفاء النشأة وكمال الصفات والأخلاق والأفعال.