فإذا سمع السامع هذا اللقب تبادر إلى ذهنه النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم أن أعظم شخصية في تاريخ المسلمين هو محمد صلى الله عليه وسلم، وله خصائص ليست لغيره بإجماع المسلمين، وكثير من المسلمين ممن عدم الفقه والعلم لا يمانع من الزيادة والغلو في حقه عليه الصلاة والسلام..
هنا وظف هؤلاء هذه الشخصية لإبراز فكرة الإنسان الكامل من خلالها..
فقالوا عن رسول الله أنه:
أول موجود فاض عن الله تعالى كما يفيض نور الشمس عن الشمس..
وهو نور ونوره ممتد إلى جميع ذرات الكون..
وكل العلوم قطرة من بحره..
وهو محل نظر الإله..
له شبه بالصفات الإلهية والصفات البشرية..
فهو واسطة بين الخالق والخلق..
فصارت الحقيقة المحمدية هي حقيقة الإنسان الكامل بغير فرق... إلا أنهم ومحاولة منهم لترويج تلك الفكرة الفلسفية حرفوا الآيات واختلقوا الأحاديث للتدليل عليها..
( الحقيقة المحمدية = الإنسان الكامل)
والذي يثبت هذا التوافق ما يرد في أقوالهم وأشعارهم من أوصاف غالية في حق النبي الكريم لا يمكن أن تفسر إلا من خلال فكرة الإنسان الكامل، وهانحن نورد طرفا منها..
يقول ابن عربي:"بدء الخلق الهباء، وأول موجود فيه الحقيقة المحمدية الرحمانية"الفتوحات المكية 1/118
ويقول الحلاج:
"أنوار النبوة من نوره برزت، وأنوارهم من نوره ظهرت، وليس في الأنوار نور أنور وأظهر وأقدم سوى نور صاحب الكرم... همته سبقت الهمم، ووجوده سبق العدم، واسمه سبق القلم، لأنه كان قبل الأمم... العلوم كلها قطرة من بحره.. والأزمان ساعة من دهره"الطواسين 13
وقال ابن الدباغ:
"اعلم أن أنوار المكونات كلها من عرش وفرش وسموات وأرضين وجنات وحجب وما فوقها وما تحتها إذا جمعت كلها وجدت بعضا من نور محمد، وأن مجموع نوره لو وضع على العرش لذاب، ولو وضع على الحجب السبعين التي فوق العرش لتهافتت، ولو جمعت المخلوقات كلها ووضع ذلك النور العظيم عليه لتهافتت وتساقطت"هذه هي الصوفية ص87 نقلا عن محبة الرسول ص203
يقول البوصيري في البردة:
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حدوث الحادث العمم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
هذه هي الحقيقة المحمدية عندهم، فكل كلماتهم وأشعارهم تنطق بحقيقة الإنسان الكامل لايجادل في ذلك إلا جاهل أو ماكر.. وهم وإن كانوا قد استتروا خلف هذا اللقب المحمدي زمنا إلا أنهم عادوا وحنوا إلى لقبهم القديم فصاروا يصرحون به..
فهذا إمامهم الأكبر ابن عربي الطائي يطلق لقب الإنسان الكامل في كثير من مؤلفاته وله مؤلف بعنوان:"الإنسان الكلي"..
وهذا عبد الكريم الجيلي وهو منهم يضع كتابا بعنوان:"الإنسان الكامل"..
وهناك آخرون غيرهم قدماء ومحدثون..
الإنسان الكامل، الحقيقة المحمدية مرتبة عامة:
وإن المدقق في أقوالهم وأحوالهم يعلم يقينا أنهم لا يعظمون رسول الله ولا يحبونه، بل يتخذون محبته ذريعة إلى تحقيق فكرة الإنسان الكامل بين المسلمين.. ولذا فإنهم عندما يطلقون لقب الحقيقة المحمدية أو غيره مما يقوم مقامه لا يقصدون به ذات النبي عليه الصلاة والسلام خاصة، بل كل ذات تتحقق فيها الأهلية ـ حسب شروطهم ـ لأن تصير في مرتبة الإنسان الكامل..
فليست هذه المرتبة حكرا على النبي أو غيره من البشر، بل هي مشاعة ينالها كل من هذب نفسه وصفاها على طريقة فلسفية خاصة حتى تصل إلى مرحلة الاتحاد بذات الله تعالى كما يقولون، تعالى الله عما يقولون، فإذا صارت كذلك نالت مرتبة الإنسان الكامل..
لذا فإنهم يعتقدون في مشايخهم ما يعتقدونه في الإنسان الكامل، فهم نور، وهم يعلمون الغيب، ويدبرون شؤون الكون، ومن هنا نفهم لماذا يصرون على تعظيم أولئك المشايخ هذا التعظيم الغالي الذي لا يجوز أن يكون إلا لرب العالمين..
يقول الجيلي:
"اعلم حفظك الله أن الإنسان الكامل هو القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود من أوله إلى آخره، وهو واحد منذ كان الوجود إلى أبد الآبدين، ثم له تنوع في ملابس، ويظهر في كنائس، فيسمى باعتبار لباس، ولا يسمى به باعتبار لباس آخر، فاسمه الأصلي الذي هو له محمد، وكنيته أبو القاسم، ولقبه شمس الدين، ثم له باعتبار ملابس أخرى أسام، وله في كل زمان اسم يليق بلباسه في ذلك الزمان... فقد اجتمعت به صلى الله عليه وسلم هو في صورة شيخي إسماعيل الجبرتي"الإنسان الكامل 2/73
قال بعضهم:
كل النبيين والرسل الكرام أتوا نيابة عنه في تبليغ دعواه
فهو الرسول إلى كل الخلائق في كل العصور ونابت عنه أفواه
(النفحات الأقدسية للبيطار ص17)