فهرس الكتاب

الصفحة 2295 من 3657

فقد أنكر عليه زيارته القبر، وأرشده إلى السنة وهي أن من أراد السلام على رسول الله فإن في الأرض ملائكة سياحة تبلغه عن أمته السلام، فلا فرق بين القريب من القبر والبعيد عنه كما ذكر ابن رسول الله الذي هو أقرب الناس نسبا إليه، فالسنة لمن أراد السلام عليه أن يسلم حين دخوله المسجد كما أرشد إلى ذلك النبي الكريم، والسنة أن يصلى ويسلم عليه في الصلاة، فهذا الذي يشق على نفسه بالسفر وإتيان القبر لأجل السلام يستوي هو ومن قعد في بيته في أقصى الأرض في بلوغ السلام، فلم هذا العناء ورسول الله لم يأمر بزيارة قبره؟..

وما عرف عن صحابته أنهم كانوا يعتادون القبر، بل لم يكونوا يزورونه إلا ما كان من ابن عمر كان إذا قدم من سفر أم القبر فسلم على رسول الله ثم أبي بكر ثم أبيه ..

انظر: المصنف لعبد الرزاق، كتاب الجنائز، باب السلام على قبر النبي صلى الله عليه وسلم، والمصنف لابن أبي شيبة، كتاب الجنائز، باب من كان يأتي قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيسلم..

قال عبيد الله بن عمر:

"لا نعلم أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك"..

انظر: مصنف عبد الرزاق، كتاب الجنائز، باب السلام على قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فتح المجيد ص288، الجواب الباهر ابن تيمية 60 ..

إذن.. تعليق محبة رسول الله بفعل هذه الأمور الثلاثة إذا كان صادرا من جاهل لا يعلم حقيقة الأمر النبوي وما هو مشروع وما هو ممنوع فهو معذور لجهله وظنه ثبوت ما لم يثبت، وإن كان لا يعذر في ترك سؤال أهل العلم..

وأما إن كان صادرا من عالم يعلم عدم ثبوت ذلك في الشرع ويخفي وراءه اعتقادا خاصا وفكرا موروثا عن الأديان والنحل القديمة، يقصد به تقويض ملة الإسلام وهدم أركان الإيمان بالله فهنا نصل إلى لب القضية التي نريد أن نوقفكم على حقيقتها:

إننا أمام فكر خطير لا يمت إلى الإسلام بصلة، له قواعده وأركانه المستمدة من ثقافات أجنبية قديمة من قبل الإسلام، دخل إلى الإسلام باسم الزهد في أول أمره لما كان الزهاد من أرباب هذا الفكر يملؤون الدنيا، ثم تحول لاحقا إلى الدعوة إلى محبة رسول الله لما قل الزهادون منهم وكثر المترفون..

لذا فالذي نقوله هنا:

ليست القضية قضية احتفال بمولد النبي الكريم أو توسل به أو شد الرحل إلى قبره، فهذه القضايا محل خلاف بين العلماء، وإن كان الصواب منعها لما سبق من أدلة..

بل القضية أبعد من ذلك، إنها قضية فلسفية تخرج معتقدها من دائرة الإسلام وتدخله دائرة الإلحاد والزندقة، وللأسف، المتفطنون لهذا الأمر هم قلة والأكثر في غفلة عن الحقيقة، وتلك الغفلة تساهم بطريقة لا شعورية في ترسيخ هذه الفكرة المصادمة للإسلام، حين ينحصر البحث والجدل حول قضايا فرعية مع نسيان القضية الأساسية..

لذا كان من المهم إعطاء فكرة عن الأصل الذي انبثق عنه ادعاء محبة الرسول والنسبة إليها عند هؤلاء الذين سموا صوفية وأشغلوا العالم بهذه الدعوى، لكي نعلم هل هم صادقون في هذه المحبة، أم أن لهم غرضا آخر من الدعوة إليها؟..

الإنسان الكامل:

الإنسان الكامل، فكرة فلسفية صوفية كانت رائجة في الأمم المتصوفة من قبل الإسلام.. أطلق هذا اللقب من قبل الصوفية القدماء من أهل فارس والهند واليونان على أول موجود وجد في الكون حسب نظريتهم... حيث زعموا أن هذا الموجود الأول فاض عن الله تعالى كما يفيض نور الشمس عن الشمس، لم يخلقه بل صدر عنه، فهو نور من نور، ونوره امتد إلى جميع ذرات الكون:

فبه قامت الحياة.. وهو الإله الذي صنع وخلق الموجودات.. وهو الواسطة بين الخالق والخلق لما له من شبه بهما.. فله صفات الإله وله صفات البشر..

ولأنه بهذه المرتبة فهو يعلم الغيب ويدبر أمر العالم، وربما سموه الروح الأعظم أو العقل الأول أو الفعال وغيرها من التسميات، هذه خلاصة فكرة الإنسان الكامل التي في تلك الثقافات القديمة قبل الإسلام..

انظر الإنسان الكامل، عبد الرحمن بدوي، الموسوعة الفلسفية 1/136، بنية العقل العربي، الجابري ص378

ثم إن الله تعالى كتب لهذا الدين أن ينتشر في بلاد فارس والهند فدخل فيه كثير من حملة هذا الفكر أبناء تلك البلاد، ومع قلة الوعي بحقيقة الإسلام بقي كثير منهم على هذا الاعتقاد الفاسد ظانين عدم منافاته لما أنزل الله، فصاروا يدعون إليه بحسن نية وقصد..

لكن طائفة أخرى تعمدت نشر هذا الفكر بين المسلمين خبثا وكيدا لما كانت قلوبهم تنطوي على حقد عظيم على هذا الدين الذي أزال دولهم الظالمة الكافرة..

وبما أن لقب الإنسان الكامل غريب على المجتمع الإسلامي تحاشوا أن يصطدموا به فاتخذوا بدلا منه لقب الحقيقة المحمدية أو النور المحمدي..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت