فهرس الكتاب

الصفحة 2294 من 3657

وأما التوسل فإن الشرع لم يأمر بالتوسل بالنبي الكريم بعد مماته، وقد كان الصحابة يتوسلون به في حال حياته، أي يطلبون منه الدعاء، وكان هذا جائزا حينذاك، لكنه لما مات تركوا ذلك لعلمهم أن الميت ولو كان نبيا لا يملك أن ينفع أحدا..

لذا فإنهم لما قحطوا في عام الرمادة في عهد عمر استسقوا بالعباس عم النبي وما استسقوا بالنبي فقال عمر رضي الله عنه:

"اللهم إنا كنا نستسقيك بنبينا فتسقينا، وإن نستسقيك بعم بنبينا فاسقنا"البخاري، كتاب الاستسقاء باب سؤال الناس الأمام الاستسقاء إذا قحطوا، انظر: فتح الباري 2/494.

وفي خلافهم في سقيفة بني ساعدة حول الخلافة لم يتوسلوا به في حل ذلك الخلاف، ولا في المحنة التي تعرض لها عثمان رضي الله عنه، ولا في الخلاف بين علي ومعاوية رضي الله عنهما..

فلو كان التوسل به ـ أي طلب الدعاء منه بعد مماته ـ جائزا لم يفرط الصحابة فيه، فعدم فعلهم ـ وهم الأحرص على الخير ـ يدل على المنع منه..

وأما التوسل بجاهه فذلك أمر لم يفعله الصحابة أبدا لا في حال حياته ولا بعد مماته، وما ورد من أثر يجيز التوسل بجاهه فهو ضعيف، وما عرف عن السلف مثل هذا النوع من التوسل، إلا ما كان من الإمام أحمد..

أما عن شد الرحل إلى قبره عليه الصلاة والسلام، فإنه نهى عن شد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد فقال: ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى) البخاري كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة انظر: فتح الباري3/63ـ64

أي لا يجوز شد الرحل لأجل العبادة إلا لهذه المواطن الثلاثة..

أما من قصد غيرها لأجل العبادة فقد خالف الأمر ووقع في النهي، لكن قد يأتي من يخالف فيقول:

"ليس في الحديث النهي عن شد الرحل إلى القبر، وليس فيه ذكر القبور أصلا، فمن أين قلتم الحديث ينهى شد الرحل إلى القبر؟"..

فيقال: إنما ذكرت المساجد لأن المقصود هو العبادة، فالقاصد للمسجد إنما يقصده لأجل الصلاة وقراءة القرآن والذكر والاعتكاف، وهذه عبادات، وزيارة القبور لا ريب أنها عبادة لأن الشارع أمر بها..

وكل ما أمر به الشارع فهو عبادة..

وعلى ذلك فلا يجوز السفر من أجل زيارة القبر، لأن السفر لأجل العبادة لا يجوز إلا لهذه الثلاثة..

وليس في هذا الكلام منع لزيارة القبور، بل الزيارة مشروعة في كل حال، أما الممنوع فهو السفر لأجلها..

فإن لم يسلم المخالف بهذا فحينئذ الحَكَم الذي يحكم بين المسلمين إذا اختلفوا في فهم نص من نصوص الشرع هم السلف وعلى رأسهم الصحابة، فماذا يقول الصحابة في هذه المسألة؟..

ورد أن أبا هريرة خرج إلى الطور فلما بلغ ذلك بصرة بن أبي بصرة الغفاري قال له حين أقبل:

"لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت سمعت رسول الله يقول: فذكر الحديث"الموطأ، النسائي كتاب الجمعة باب ذكر الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة، صححه الألباني..

وجاء رجل إلى ابن عمر فقال له:

"إني أريد الطور.."

فقال: إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى فدع عنك الطور ولا تأته".. أحمد وعمر بن شبة في أخبار المدينة، انظر: فتح المجيد باب ماجاء في حماية المصطفى جناب التوحيد ص289.."

والطور ليست بمسجد بل هي بقعة مباركة، كلم الله فيها موسى عليه السلام، فالصحابة ما فهموا من الأثر أن المنع خاص بالمساجد، بل فهموا المنع لأجل العبادة، ولو فهموا أنه مخصوص بالمساجد لما أنكروا على من خرج إلى الطور يريد التبرك..

فهذه فتوى الصحابة في هذه المسألة، ولا أظن مسلما إلا هو يرضى بما ثبت عنهم ورضوه دينا، لأنهم هم الكمل، وهم خيار الأمة وقدوتها..

وكل حديث ورد في فضل زيارة قبره عليه الصلاة والسلام فهو ضعيف كما ذكر الأئمة المحققون كابن تيمية، بل الذي ورد النهي عن اتخاذ قبره عيدا فقال: (لا تتخذوا قبري عيدا) ..

أي تعادونه بالزيارة، والعيد في اللغة اسم لما يعتاد مجيئه، سمي عيد الفطر عيدا وكذا الأضحى والجمعة لكونها معتادة تجيء كل عام وكل أسبوع، فالذي يزور قبره في كل موسم أو عيد أو نحو ذلك فقد اتخذ قبره عيدا، وهذا هو ما نهى عنه الرسول الكريم..

وقد أنكر الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب اعتياد القبر فقد روى سعيد بن منصور في سننه عن سهيل بن أبي سهيل قال:

"أتى الحسن بن الحسن بن علي عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى فقال:"

هلم إلى العشاء..

فقلت: لا أريده..

فقال: مالي رأيتك عند القبر؟..

فقلت: سلمت على النبي..

فقال: إذا دخلت المسجد فسلم..

ثم قال: إن رسول الله قال:

(لا تتخذوا قبري عيدا ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم، لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) ، ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء"انظر: الفتاوى 27/189. فتح المجيد باب حماية المصطفى جناب التوحيد ص286.."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت