فهرس الكتاب

الصفحة 2583 من 3657

2-في سياق هذا الغضب الإسلامي ظهر نفسٌ جديد، نفس غير معهود في سياقات الخطاب الإسلامي المعاصر. هذا النفس الجديد الإنساني لم يكن غائباً تمام الغياب، ولكنه كان هامشياً - ومهمشاً -. لقد أصبح الخطاب الإسلامي يطرح - بإلحاح - على الآخر، مفردات التسامح واحترام الآخر، وأهمية مراعاة عقائد الآخرين. وهو في هذا يريد - من ناحية - الاحتجاج بها على الغربي المسيء، باعتباره من أبرز دعاتها على امتداد الحضارات البشرية، ومن ناحية أخرى، يريد أن يؤكد أن هذه المفردات محل احترام وإجلال في منظومته.

هذا المنحى الايجابي الذي هيمن على خطاب الاحتجاج والغضب الإسلامي أتى متأخراً، أي في غير أوانه. فمع ايجابية دخول هذه المفردات - بقوة - إلى الخطاب الإسلامي المعاصر، إلا أنها - للأسف - لم تظهر إلا عندما أصبحنا محتاجين إليها في تبرئة أنفسنا من الإرهاب، أو في إدانة الآخر بأنه ينتهكها في حقنا.

رائع أن نكون مشدودين إلى هكذا مفردات، مفردات متخمة بالإنساني. لكن، للأسف، نطرحها في الوقت الذي نطرح فيه - على يد الإرهابيين من أبنائنا - ذبح الأسرى من الوريد إلى الوريد على شاشات التلفاز، مقرونة بذكر الله والتكبير، وبخلفية من شهادة الإسلام بحيث تعطي هوية صارخة للمشهد الإجرامي. إننا نطرحها، في الوقت الذي تسير فيه المسيرات الغوغائية الهائجة إلى السفارات الأجنبية، فتشعل فيها النيران، وفي الوقت الذي تسير في الرعاع إلى الكنائس، فتدمرها على عبادها الأبرياء.

إننا نتكلم عن احترام الرسل جميعاً، وأننا نقدسهم دون تفريق، ونرفض أن يسيء إليهم أحد ولو بكلمة عابرة. هذه هي الروح العامة عند جميع المسلمين. لكن، هل ننكر، أو نستنكر، ما ورد في كتاب رائج عندنا، نوصي به أبناءنا، ككتاب (إغاثة اللهفان) مع أن مؤلفه - في معرض رده على النصارى، وتأكيده على بشرية المسيح - عليه السلام - يصف المسيح في قصيدة له، بأوصاف بلغت قمة البذاءة، كما في قوله (أقام هناك تسعاً من شهور.. البيتين. ج، ص350) ، ولا استطيع كتابة البيتين هنا؛ لما فيهما من إسفاف وانحطاط، بل وانعدام في الذوق العام.

لا يمكن أن نكون صادقين - ونقنع الآخرين بصدقنا - في دعاوى احترام الآخر، ونحن نوصي أبناءنا بمثل هذه الكتب التي كتبت في عصور الصراع العقائدي، دون تنقية لها من هذا العفن الشائن. لن نكون مقنعين؛ إلا عندما نبدأ بغربلة تراثنا، وفحص مناهجنا، وجعل احترام الآخر سلوكاً عاماً لنا، وليس مجرد شعارات جوفاء، نجأر بها؛ للاستهلاك الإعلامي العابر.

من السهل أن نقول، ومن السهل أن نحتج بما نقول. ولكن من الصعب أن نقنع الآخرين بصدقنا فيما نقول؛ مادمنا نحتضن - وإلى هذه اللحظة - مراجع الكراهية والتفسيق والتبديع، ونؤسس عقائدياً - من خلالها - لكره الآخر من بني ديننا، فما بالك بالآخر من غيرنا، من غير المسلمين!

إننا نعلم أن كثيراً من التجمعات الإسلامية في الما وراء إسلامي - في أوروبا وأمريكا خاصة - قد تجاوزت هذه الشرنقات التصنيفية، وهي في سبيلها إلى التخلص من ما بقي من عقابيلها، وطرحها الفكري المتجاوز في الإسلاميات يشي بروح حضارية صاعدة. لكن، المعاقل التقليدية في البلاد الإسلامية، لازالت كما كانت قبل ألف سنة أو تزيد، تبحث المسائل نفسها، وتقترح الحلول ذاتها.

2-ظهر جلياً الاستخدام المسيس لهذا الغضب الإسلامي السامي. كثير من الأحزاب والتيارات، بل والدول، باتت تمسرحُ الحدث لمصالحها الخاصة، على حساب الفكرة العامة للغضب. لقد غدا الاحتجاج الغاضب يوجه - وفق شعارات خاصة - في هذا الحشد السياسي أو ذاك، والجماهير تساق إلى هذا التعبير أو ذاك، وهي تفعل؛ مادام أنها في انتظار ما تفعله من عقود ولا تجد.

تيارات المواجهة، أو التي اضطرتها الظروف الاقليمية إلى المواجهة، ليس من أولوياتها الانتصار لرسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - ولكنها وجدت ما تجعله وقود عداوتها للآخر؛ لتفرض على الاخر خيارات ليست بالضرورة هي خيارات الغاضبين السذج، بل ربما كانت - في مؤداها النهائي - على الضد من آمال وتطلعات تلك الجماهير.

يخيل إليك - أحياناً - أن بعض أطياف الإسلاموية مبتهجة بالحدث؛ لما تراه من تقاطع كثير من الأصوات الغاضبة مع شعاراتها. وإذا كنا لابد أن نغضب - مهما استخدم غضبنا لغير ما نأمل ونريد - فإننا لابد أن نكون حذرين غاية الحذر في لغة الإدانة التي نختارها؛ كيلا نسهم في الحشد والتجييش لفصائل ليست من خياراتنا الحضارية، بل تقف - من خلال مجمل مضامينها - على الضد من المنحى الإنساني الذي تجتمع عليه قوى التقدم والتحرر الإنساني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت