فهرس الكتاب

الصفحة 2870 من 3657

فمن دلائل نبوّته صلى الله عليه وسلم، وهو يُشبهُ في وَجْهِ دَلالتهِ ما سبق من القرآن الكريم: أخباره صلى الله عليه وسلم في سُنَته وأقواله الثابتة: بالمغيّبات، وبالحقائق الكونية التي سَبَقَ فيها العِلْمَ الحديث، والتي مع كثرتها لم تُناقضْ ما أَثْبَتهُ العلمُ الحديثُ أيضاً.

ومن دلائل نبوّته صلى الله عليه وسلم: قُوّةُ الدين الذي بُعثِ به، وحِفظُه من التغيير والتبديل، أو الزيادة والنقصان، والعلومُ التي نشأت وتطوّرت لخدمته، ومراحل تلك التطوّرات، ومواجهةُ ماأحدق به من الأخطار بكل صرامةٍ وحزمٍ، على مختلف الأحوال التي مَرّت بأمّة الإسلام: من القوّة إلى الضعف، ومن العزّة إلى سيطرة الأعداء عليها.

ومن دلائل نبّوته: بشارةُ الأنبياء به في كتبهم، وإخبارهم لأقوامهم بصفته واسمه وصفة أمته ومكان بعثته ونسبه، وغير ذلك. كما قال تعالى { وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ} [الصف:6] ، وكما قال تعالى {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف:157] .

ومع تحريف كثيرٍ من أحبار اليهود ورهبان النصارى لتلك البشارات، وإخفائهم لبعضها، وتفسيرهم لبعضها الآخر بغير تفسيرها الصحيح؛ إلا أنه قد بقي ما يكفي منها لإقامة الحُجّة عليهم، وعلى كل من أنصف وبحث في الحقيقة.

وسنحيل هنا إلى بعض تلك البشارات في الكتاب الذي هم يؤمنون به.

فانظروا يا أهل الأرض في هذه الإحالات: سفر التثنية من التوراة (33/1) (18/15-19) ، وسفر أشعياء (42/1-5) ، وسفر حبقّوق (3/3) ، وسفر المزامير (72/1-19) ، وإنجيل يوحنا (14/16 ، 26) (15/26) (16/7-15) ورسالة يوحنا الأول (2/1) . [الرقم الأول يشير إلى الإصحاح والذي بعد الخط المائل إلى رقم المقطع] .

ومن دلائل نبوّته صلى الله عليه وسلم: تاريخُ دعوته، وسَيْرُ حوادثها، وفُتوحُ أتباع ملّته من بعده، وتهاوي الدُّول في وَجْهِ أصحابه الفاتحين، وسرعة انتشار الإسلام في أمم الأرض.

ومن دلائل نبوّته صلى الله عليه وسلم: حياتُه وسيرته، وشمائله وأخلاقه وصفاته، وكل ما يتعلّق بذاته وشخصّيته وسلوكه.

فهو صلى الله عليه وسلم في صفاته الخَلْقِية والخُلُقيّة يُمَثِّلُ الكمال البشريّ، الذي لم تعرف ولن تعرف البشريّةُ له شبيهاً، مما يقطع بنبوّته، بل أنه إمام الأنبياء وخاتم المرسلين.

فقد كان صلى الله عليه وسلم أجمل الناس، وأحسنهم صورة، أنيقاً في ملبسه، يحبّ التطيب، ويلبس البياض، ويأمر بالنظافة والطهارة، وسئل مرة عن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً فقال:"إن الله جميل يحب الجمال". وكان ذا ذوقٍ رفيع في مأكله ومشربه، بغير شره ولا إسراف، بل يقول صلى الله عليه وسلم:"ما ملأ آدميٌ وعاءً شراً من بطن، بحسب ابن آدم أُكيلاتٍ يُقِمْن صُلْبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلثٌ لنفسه". وكان لبقاً في حديثه وتعامله، كثيرَ الابتسام، ظاهرَ البِشر، تحبُّه العيونُ والقلوب من حين تلقاه، لا يُمَلَّ حديثهُ ومجلسُه، بل ينسى جليسُه الدنيا بأسرها إذا حظي بالجلوس عنده، مع المهابة والجلالة، لا من السطوة والجبروت (كالملوك والسلاطين) ، بل هي هيبةُ النبّوة والرسالة، وجلالةُ كمالِ العبوديّة لله عز وجل والخضوع له وحده سبحانه وتعالى.

ومن أعظم صفاته صلى الله عليه وسلم الرحمةَ، حتى قال تعالى { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } [الأنبياء:107] ، وقال تعالى { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران:159] ، وقال تعالى { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة:128] ، وقال - صلى الله عليه وسلم: (( إنما أنا رحمةٌ مُهْداة ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت