فهرس الكتاب

الصفحة 2871 من 3657

ومن رحمته صلى الله عليه وسلم: حبه للمساكين، ومحبّتُه لمؤاكلتهم ومجالستهم، وعَطْفُه على المرضى في عقولهم وقضاؤه لحوائجهم، حتى ربما جاءته المرأة المريضة في عقلها، أو الطفلة الصغيرة، تطلب منه الحاجة التي تستلزمُ جهداً كبيراً ووقتاً طويلاً، فلا يتركها، بل يسعى معها في تحقيق رغبتها حتى تنقضي، أو ترضى بغيرها، ولا ينصرف عنها حتى تكون هي التي تنصرف عنه.

ومن رحمته صلى الله عليه وسلم: إكرامُه لليتامى، وإيصاؤه الشديدُ بهم، وحثُّه البالغُ بأن يُعْطفَ عليهم. وتودُّده إلى الأطفال، فكان يحملهم، ويقّبلُهم، ويمازحهم، ويُعلّم أمتّهَ كيف أنه للأطفال حقٌ في اللعب واللهو.

لقد تجاوزت رحمتُه بني آدم إلى غيرهم من المخلوقات على وجه الأرض، فكان يأمر بالرفق بالحيوانات، وينهى عن تعذيبها، حتى ما يؤكل منها: أمر بأن يُحْسن ذَبْحُها، وألا نُطيل عذابها قبل أن تموت. وعلمَ مَرّةً: أن أحدهم كان يكلّفُ جَمَله بعمل شاقّ، ولا يطعمه الطعام الكافي، فزجره عن ذلك، وذكر مَرّةً: أن أمرأةً دخلت النار بسبب هِرَّة، لأنها حبستها، لم تطعمها، حتى ماتت. وذكر مَرّةً: أن امرأةً بغيّاً سقت كلباً ظامئاً، فغفر الله لها، لرحمتها بالكلب. وقصَّ عن نبيٍّ من الأنبياء أن الله تعالى عاتبه لأنه أحرق بيتَ النمل بما فيه من النمل الكثير، لأن نملةً واحدةً منهن قرصته. حتى لقد سأله أصحابُه يوماً: وإن لنا في البهائم أجراً؟! فقال صلى الله عليه وسلم (( في كل كبدٍ رطبة أجر ) )، أي في الإحسان إلى كل حيّ من المخلوقات أجر.

وكان صلى الله عليه وسلم مع هذه الرحمة أشجع الناس، لكن شجاعته لا كشجاعة الجبابرة، بل هي شجاعةُ الواثق بوعد الله تعالى، القائمِ بدين الله تعالى، الذي لا يفرّق بين الموت والحياة، بل يقِّدمُ الموت إذا كان فيه رضى ربِّه عز وجل. ولذلك كان في ساحات المعارك، وإذا اشتد القتال=أقربَ الناس إلى أعدائه، يثبتُ حين يفرُّ الشجعان، ويلوذ به الأبطال وهو كأنه ليس في ساح القتال.

ومن شجاعته صلى الله عليه وسلم صَدْعُه بالحق في وَجْه أعدائه، وإعلانُه بالدعوة إلى دين الله تعالى في مقابل خصومه، الذين كانوا هم عمومَ أهل الأرض في أوّل دعوته. فلم يَخَفْ، ولم يتردّد، ولم يُداهن، ولم يتنازل عن شيءٍ من مبادئه بل واجه الدنيا بأسرها، ووقف يأَمر بالمعروف وينهى عن المنكر أمام جميع أهل الأرض.

وكان صلى الله عليه وسلم مع شجاعته عفوّاً عمّن أساء إليه، لا يعرف الحقد ولا الغضبَ للنفس ولا الانتقام لها أبداً. فكم من مَرّة عفا عمّن أساء إليه أعظمَ إساءة، بل أحسنَ إليه عند القدرة الكاملة على الانتقام منه. يقبل الاعتذار وهو يعلم أن المعتذرَ غيرُ صادقٍ في عُذْره، بل يتلمّسُ هو الأعذار لمن أخطأ عليه، ويتأوّلُ إساءته إحساناً، ويحمل خطأه على أحسن المحامل.

وكان صلى الله عليه وسلم أجودَ الناس، يُنفق إنفاقَ من لا يخشى الفقر، حتى أنه ما سُئل شيئاً قط فقال: لا. يُنفق ماله كلَّه للفقراء والمحتاجين، بل كان يستدين ليتصدَّق، ويؤثر على نفسه وعلى أهل بيته ضيوفَه والفقراءَ والسائلين، حتى إنه ربّما جاع أهلُه ليُطعمَ من هو أحوج للطعام منهم، ولذلك كان غالب طعامه وطعام أهله التمر والماء، ولربما مكثوا الأشهر المتوالية لا يوقد في بيتهم نارٌ على طعام لذلك.

ومع ذلك فقد كان صلى الله عليه وسلم هو الزوج المثالي: في تودّده لأزواجه، وعَطْفه عليهن، وتحمُّله لأخطائهن البشريّة. ما ضرب واحدةً منهن قط، ولا شتم، ولا رفع صوته صارخاً. بل يعفو ويَحْلُم، ويمازح ويُلاعب، ويوافقهن فيما يُحْبِبْنَهُ ما لم يكن إثماً. ويعاونهنّ في أعمال البيت، ويخدمُ نَفْسَه بنفسه، فيخيط ثَوْبَه إذا انفتق، ويُصلح نَعْلَه بنفسه إذا انقطع. ويُوصي بالنساء كثيراً، وينهى عن ضربهن أو إهانتهن، ويقول (( خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي ) )، وأوصى بالنساء وصيةً جامعة في خُطبته العظمى، في حجّة الوداع (كما سبق) .

وكان صلى الله عليه وسلم حسن المعشر حتى مع من يخدمه، فكان صلى الله عليه وسلم يأمر بعدم تكليفهم بالأعمال الشاقّة عليهم، وأن يُطعَمُوا من طعام أهل البيت، وأن يُلْبَسُوا من لباسهم. بل يقول خادمُهُ صلى الله عليه وسلم، وهو أنس بن مالك رضي الله عنه: ما قال لي أفٍّ قط، ولا قال لي عن شيءٍ صنعتُه لم صنعتَ هذا هكذا؟! ولا قال لي عن شيءٍ لم أصنعه: ألا صنعتَ هذا هكذا؟! ولما رأى رجلاً يضربُ خادمه المملوكَ له قال صلى الله عليه وسلم: (( اعْلَمْ يا فلان: لَلَّهُ أَقْدَرُ عليك منك عليه ) )، فقال الرجل لمّا سمع هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو حُرٌّ لوجه الله، فقال صلى الله عليه وسلم له: (( أما إنّك لو لم تفعل لمستك النار ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت