وكان صلى الله عليه وسلم شديدَ الحياء أشدَّ حياءً من العذراء في خِدْرها. لا يُحبُّ فُحْشَ القول، ولا يجري على لسانه لفظٌ بذيءٌ قطّ، ولا يتفوّه بعبارة تجرح الحياء والعفافَ. حتى كان يقول: (( الحياءُ خيرٌ كلَُه ) )، ويقول صلى الله عليه وسلم: (( الحياء لا يأتي إلا بخير ) ).
وكان صلى الله عليه وسلم أعظمَ الناس تواضعاً، وهو القائل: (( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرّةٍ من كِبْر ) ). فكان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، ولا يُقَام له إذا دخل على أصحابه؛ لأنه كان ينهاهم عن ذلك، مع شدّة محبتهم وتعظيمهم له، ولقد قامت له قلوبُهم لئن لم تَقُمْ له أجسادهم. وإذا مشى لايُصْرَفُ الناسُ عن طريقه، حتى عند شدّة الزحام، كما وقع في حَجّته صلى الله عليه وسلم، وربما اجتمعَ الناسُ عليه يسألونه حتى يبلغ به الإجهادُ مَبْلَغَهُ. ولم يكن يُمِّيزُ نَفْسَه عن أصحابه في مجلسه أو ملبسه أو مركبه، بل إنه يجلسُ حيث ينتهي به المجلس.
هذه بعضُ كوامل صفاته، وبعض عوالي أخلاقه؛ فهي لا تُدرك بكلام مختصر ولا مطوَّل. أثنى الله عز وجل على أخلاقه، فقال تعالى { وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ } [القلم:4] .
وضمَّ صلى الله عليه وسلم إلى ذلك كُلّه كمالَ العبودية لله تعالى، وكمال الخضوع والتضرُّع له عز وجل. فهو صلى الله عليه وسلم أعبدُ الناس، وأخشعُ الناس، وأورع الناس، وأزهد الناس.. صلى الله عليه وسلم.
فهو ذاكرٌ لله تعالى في كل أحيانه، لا يفتر لسانه عن التسبيح والتحميد، والتكبير والتهليل وقراءة القرآن، كثير الاستغفار، غزير الاستعبار، يبكي من الخشوع لربّه حتى يبلّ لحيته، وحتى يُسمع لصدره صوتٌ من النشيج كصوت غليان القِدْر. يصومُ حتى يقال لايُفطر من كثرة الصوم، وقام الليلَ للصلاة حتى تفطّرت قدماه، فقيل له: لم تفعل ذلك وقد غُفِر لك ما تقدّم من ذنبك وماتأخّر؟!! فقال صلى الله عليه وسلم: (( أفلا أكون عبداً شكوراً ) ).
بل هو صلى الله عليه وسلم أعبد العابدين، وأذكر الذاكرين، وأحمد الحامدين، وإمام الأنبياء والمرسلين.
وهو صلى الله عليه وسلم في جمعه للكمال البشري في شؤون دنياه مع الكمال البشري في شؤون أُخراه=معجزةٌ خارقةٌ للعادات، وإنّها - تالله - لَشَمائلُ وصفاتُ نبيّ، بل هي أخلاقُ وسيرةُ خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم.
الخاتمة
هذه السيرةُ الشديدةُ الاختصار لخاتم الرسل صلى الله عليه وسلم هي التي أردنا أن نخاطب بها العالمين، وأن تُبَلّغَ للناس أجمعين. إذ في هذه السيرة، وفي الإيمان بصاحبها رسولاً ونبيّاً، وفي الاقتداء به في جميع أقواله وأفعاله=خيرُهم وسعادتُهم في الدنيا والآخرة، وبذلك تحصل نجاتهُم من عذاب الله تعالى.
وقد يستغرب بعضُ من يقرأ هذا الخطاب من أنّه لم يعرف هذه المعلومات عن سيد ولد آدم وخاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم إلا من قراءاته له، وهذا قد يكون من تقصيرنا - نحن يا من عرفناه حق معرفته - في البلاغ والدعوة، ولكن السبب الأعظم لذلك هو حَجْبُ الباطل وأعوانه لهذه الحقائق عن الناس، وسَعْيُهم بكل وسيلةٍ إلى صَدِّ الناس عن سماعها، حتى لا ندري - نحن الآن أيضاً - هل سيصل هذا الخطاب إلى كل الآذان، أم سيمنع (كالعادة) عن كثير من الناس!!!
ولا ننسى أن نُذكِّرَ البشريّةَ بأن تقديس التقاليد والعادات، والعصبيّةَ للآباء والأجداد، وصعوبة الاعتراف بالخطأ الكبير=كل ذلك قد يحول دون الاستفادة من هذا الخطاب الفائدةَ التي لن يصلَ إليها إلا من استطاعَ تجاوزَ هذا كُلَّه، وحاكمَ تقاليدَه وموروثَه وآباءه وأجداده ونفسَه بكل إنصاف وتعقُّل.
كما لا ننسى أن اللهو واللعب، والشهوات والملذّات، والانشغال بتحصيل ذلك كُلّه، قد يصرف الإنسان عن هذا الخطاب. لكن ليذكر هذا المنهمك في ملذّاته أن الخالق (الذي لا يشك عاقلٌ في وجوده) لم يخلقه عبثاً، وأنه لن يدرك سعادته الحقيقية إلا من خلال الدين الأخير الصالح لكل زمان ومكان إلى نهاية الدنيا، وهو الإسلام، الذي جاء به خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم من الخالق سبحانه.
وأخيراً لا ننسى عدوّ البشريّة الأوّل، وهو الشيطان وأعوانه من شياطين الجن والإنس، الذين سيُزَيّنونَ لبني آدم الإعراضَ عن هذا الخطاب، وسيحاولون صَرْفَهم عن الحقائق الواردة فيه بأنواعٍ شتّى من الحيل النفسيّة والأباطيل والشُّبَه.
فعلى من أراد السعادة الحقّة، والنجاة من التعاسة الحقّة: أن يأخذَ على نفسه العهد، وأن يُصمِّمَ التصميم الصادق، بألا يُهمل هذا الخطاب حتى يدرسَه حق دراسته، ويبحث ويقرأ ويسأل عمّا تضمَنه من معلومات، إلى أن يصل إلى الحق.