فهرس الكتاب

الصفحة 2867 من 3657

وعاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى مشارف مكّة، ليجد هوازن قد جاءت تعلن إسلامها؛ فأعادَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم عليهم ما سباه منهم من النساء والذُّريّة. وأعلن فيهم أنه سيُعيد إلى قائدهم سَبْيَه إذا جاءه مُسْلِماً، ففعل القائد ذلك، فأكرمه النبي صلى الله عليه وسلم، وأعاد عليه سَبْيَه.

وبذلك توطَدتْ دولةُ الإسلام في مقاطعة الحجاز من شبه جزيرة العرب، ليتوجَّهَ النبي صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك - إلى المدينة، لكن بعد أدائه العمرة من (جعرانة) التي أعاد عندها سبي هوازن إليهم.

ووصل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في 24 من ذي القعدة سنة ثمان، الموافق مارس من سنة 630م.

ويفتتح المسلمون عام تسعة من الهجرة في 20 إبريل من سنة 630م، الذي سُمِّي بعام الوفود؛ لقدوم وُفُود العرب من أقطار شبه جزيرة العرب مُسْلِمين طائعين لله تعالى، مُعْلِنين دخولَهم في دين الله سبحانه.

وفي منتصف هذا العام كانت غزوة تبوك، أي في رجب من سنة تسع، أي الموافق أكتوبر من سنة 630م. وتبوك مدينة تبعد نحو (700 كيل) شمال المدينة، على مشارف بلاد الشام.

حيث خرج النبي صلى الله عليه وسلم في أكبر جيش نبويّ، بلغ عدد الجيش نحواً من ثلاثين ألفاً. فبلغ تبوكاً، ومكث بها عشرين يوماً، ولم يَلْقَ قتالاً. إلا أن سريّةً للمسلمين توجهّت إلى دومة الجندل، لتأسر أميرها، الذي صالح المسلمين على دَفْع الجزية، كما صُولح ملك أيلة (العقبة) على الجزية أيضاً.

وهذا أوّل تشريع للجزية في الإسلام، والجزية هي مالٌ يدفعه الكفار إذا لم يدخلوا في الإسلام، يُقدِّره الحاكم المسلم عليهم، بغير ظلم ولا إضرار، إعلاناً لدخولهم تحت حُكْم الإسلام. وهي تجب في السنة مَرّة، ولا تؤخذ من الأطفال ولا النساء، ولا الفقراء، ولا تؤخذ من كبار السن، ولا المرضى الذين لا يُرجى شفاؤهم، ولا العُمْي ولا العاجزون ولو كانوا أغنياء، ولا تؤخذ من الرهبان المنقطعين للعبادة، ولا تؤخذ من الفلاحين الذين لا يُقاتلون. وهي (أي الجزية) العَرْض الثاني الذي يُعْرَضُ على غير المسلمين في حكم الله تعالى، فالأول: هو الدخول في دين الله تعالى، والثاني: دفع الجزية إقراراً بالرضوخ لحكم الله تعالى، وأنه لا دولةَ للباطل في أرض الله تعالى، مع مَنْ بقي على دينه الباطل، فيُقَرُّ عليه، لكن بغير دولة (وهذا هو الصَّغار الذي يستحقُّه من أصرًّ على الباطل) ، والثالث: القتال، وهو خاصٌّ بمن قاتل، أمّا من لم يرفع السلاح ولا أعان عليه فلا يُقاتل، ولذلك عُصِمت دماءُ شعوب الدول المفتوحة مع عدم دخولهم في الإسلام. فالجزية في حقيقتها رمزُ لقيام دين الله ودولته، ولسقوط الأديان الباطلة ودولتها.

ثم إن النبيّ صلى الله عليه وسلم عاد إلى المدينة، ليكمل تبليغ دعوته إلى دين الله تعالى، وليعلّم الناس ويزكيهم. وتسارَع الناس إلى الدخول في الإسلام، وتعاظمَ الإسلام، حتى شمل جزيرة العرب.

وفي عام عشرة من الهجرة، الموافق 632م، خرج النبي صلى الله عليه وسلم لأداء فريضة الحج، وهي المسمّاة بحجّة الوداع؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم خَطَب المسلمين فيها خُطبةً جليلة، أشار فيها إلى دنوّ أجله، وقد تضمّنت خطبته هذه الوصيّة بأمور عظيمة، منها بيان حرمة الدماء والأعراض والأموال، وحثّ فيها على الإحسان إلى النساء والزوجات وإعطائهن حقوقهن كاملةً غير منقوصة، وأن يُعاملن مع ما يليق بطبيعتهن من الرقّة وحُسْن العشرة.

وفي يوم عرفة من هذه الحجّة نزل قول الله تعالى { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً} [المائدة:3] .

ولمّا رجع صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وبعد حَجّه بثلاثة أشهر، بدأ مرضُ وفاته صلى الله عليه وسلم. وذلك في 27 صفر من عام (11هـ) ، الموافق لمايو من سنة (632م) ، ودام مرضُه عشرة أيام.

فكان من آخر ما أوصى به صلى الله عليه وسلم في مرض وفاته: الحثّ على إقامة الصلاة، وعلى الإحسان إلى الرقيق والرفق بهم.

ثم إنه صلى الله عليه وسلم توفي في يوم الاثنين، الثاني عشر من ربيع الأول، من سنة إحدى عشرة، الموافق 9 يونيو سنة 632م ، ودُفن صلى الله عليه وسلم ببيته الذي بجوار مسجد مدينته طَيْبة الطيّبة.

وبذلك يكون صلى الله عليه وسلم قد عاش ثلاثاً وستين سنة، ثلاثةٌ وعشرون عاماً منها هي سنوات بعثتِه وتبليغِ دعوته إلى دين الله تعالى.

ولقد كانت سنوات بعثته الثلاثةُ والعشرون هذه منهجاً للبشرية لا مثيل له، في كل شؤون حياته صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} [الأحزاب:21] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت