فهرس الكتاب

الصفحة 2866 من 3657

ولمّا علم كفار مكّة بالخبر، حاولوا - بعد فوات الأوان - تجديد العهد، وجاء بعضُهم يعلنون دخولهم في الإسلام.

وأمّا النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لمّا أقبل على مكّة أرسل إلى أهلها، أنه لن يُقاتل إلا من واجهه بالقتال، وأنّ من دخل داره فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو أمن، ومن دخل دار أبي سفيان (وهو سيّد قريش حينها بمكة) فهو آمن.

ولقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكّة في 19 رمضان في سنة ثمان، الموافق 9 يناير من سنة 630م. ولم يُواجَهْ جيشُ المسلمين إلا بمقاومةٍ يسيرة، من بعض جهات مكّة.

لقد فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكّة ودخلها لا دخول الجبابرة المتكبرين، بعد هذا الانتصار العظيم على أعداء دين الله تعالى. بل دخلها خاشعاً، خافضاً رأسه خَفْضَّا شديداً وهو على ناقته، قارئاً سورة الفتح.

وما إن جاء عَصْرُ ذلك اليوم، حتى أعلن النبيُّ صلى الله عليه وسلم وَقْفَ كل أعمال القتال. ووقف عند الكعبة المشرّفة، وقريشٌ (أعداؤه لأكثر من عشرين عاماً) حَوْلَه مجتمعين، يخشون انتقامه العادلَ الذي سيكون في غاية الشدّة منهم. فقال صلى الله عليه وسلم منادياً فيهم:"ما تظنّون أني فاعلٌ بكم؟"فقالوا -في انكسارٍ ووجل: خيراً، أخٌ كريم وابن أخٍ كريم، فقال صلى الله عليه وسلم - وبكل سهولة -:"لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم".

هذه هي حروب الأنبياء، وهذه هي أخلاق حروبهم!!! إن الغرضَ منها ترقيق القلوب لقبول دعوة الحق، لا تمزيقُ القلوب للاستعباد والانتقام والاستحواذ على مزيد من الشهوات والملذّات.

هذا مع أن المعاقبةَ بالمثل عَدْلٌ ولا شك، ولذلك فقد خَيّرَ اللهُ تعالى نبيَّه صلى الله عليه وسلم بين المعاقبة والعفو، في قوله تعالى { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [النحل:126] . فاختار النبيُّ صلى الله عليه وسلم الصبر قائلاً:"نصبر ولا نعاقب". إنه خُلُقُ خاتم الأنبياء، الذي ما عرف الانتقام لنفسه يوماً من الأيام، إنما يغضب وينتقم إذا انتُهكت محارِمُ الله، فغضبُه وانتقامُه لله وحده.

وكان أوّل عملٍ يعمله النبي صلى الله عليه وسلم عند دخوله مكّة، وعند دخوله المسجد الحرام، هو العمل الذي من أَجْلِهِ بُعِث، ومن أَجْله قُوتل، ومن أجله قاتل، ومن أجله فتح مكّة: إنه إقامة دين الله تعالى بتوحيده، والقضاء على الشرك ورموزه. ولذلك فقد دخل المسجد الحرام ليُسقط الأوثان التي كانت تُعبد من دون الله تعالى، ويَدْفعُها بقوسه، وهو يقرأ قول الله تعالى { وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً} [الإسراء:81] .

لقد طُهِّر المسجد الحرام من كل أدناس الجاهليَة وأزُيح عنه ظلامُ الشِّرك؛ ليكون قِبلة التوحيد على وَجْهِ الأرض، ورمزاً لوحدة المسلمين جميعهم في أي بُقْعةٍ منها.

وبعد فَتْح مكّة بخمسة عشر يوماً فقط، خرج النبي صلى الله عليه وسلم بجيشه الذي أصبح قوامه اثني عشر ألفاً، للقاء إحدى أكبر القبائل بجوار مكّة، وهي قبيلة هوازن، التي أحبّت أن تتولَّى زعامة الباطل، بعد أن انتهت زعامة قريش له، فأخذت في الاستعداد لقتال المسلمين.

ولذلك، فقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم للقاء هوازن، وليتمّ هذا اللقاء في منطقة حُنَين (التي تبعد عن مكّة نحو عشرين كيلاً فقط) ، وذلك في العاشر من شوال من سنة ثمان، الموافق فبراير من سنة 630م.

لقد تمّ اللقاء، لكنْ (وَلأوّل مرة) والمسلمون مُعْجَبون بكثرتهم، فكان تأديب الله تعالى لهم سريعاً، حيث وَلَّوْا مدبرين، إلا النبيَّ صلى الله عليه وسلم ونفراً قليلاً حوله. ثم فاء المؤمنون إلى إيمانهم، وإلى عدم الاعتماد إلا على نصر الله وتأييده. فنزل النصر من الله تعالى للمسلمين، وأنزل الهزيمة على الكافرين.

كما قال تعالى لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التوبة:25-27] .

لقد فرّت قبيلة هوازن متفرّقةً في البوادي، وفرَّ قائدهم وبعضُ من كان معه إلى قبيلة ثقيف في مدينة الطائف، التي تبعد عن حُنين نحو (100 كيل) . فتعقّبه النبي صلى الله عليه وسلم، ليحاصر ثقيفاً في حصنها بالطائف، نحواً من خمسة عشر يوماً. ليعود ولم يفتحها، لكن ليُظهر قوّة المسلمين، لكي لا يطمع الكفارُ في أن يَتَوَلَّوْا زعامةً للباطل أمام المسلمين بعد ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت