فهرس الكتاب

الصفحة 2865 من 3657

رابعاً: ثم تأتي الآية مبينةً حقيقة دعوة الإسلام للنصارى خاصّة، ولغيرهم من الأمم، وأنّها دعوةٌ يستوي فيها المدعوُّ والداعي: دعوةٌ إلى توحيد الله تعالى بالعبادة، وأن يكون الحُكْمُ لله تعالى وحده، لا لنبيٍّ مرسل، ولا لملك مُقَرَّب. وهذا أحد أكبر الفوارق بين الإسلام والأديان الأخرى، تلك الأديان التي تُعْطي حَقَّ التحليل والتحريم لرهبانها وأحبارها، مع أنه في الإسلام حقٌّ لله تعالى وحده، ليس لأحدٍ فيه حقٌّ غيره سبحانه.

هذه هي حقيقةُ دعوة الإسلام أجملتها تلك الأسطر الرائعة!!!

ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بعد الحديبيّة، وفي أوائل سنة سبع من الهجرة (يونيو سنة 628م) ، توجّه النبيُّ صلى الله عليه وسلم لغزو خيبر، وهي قريةٌ تبعد عن المدينة (165 كيلاً) شمالاً، ومن أسباب ذلك: أن سكانها من اليهود كانوا ممن تمالؤوا على المسلمين، وأعانوا أحْزاب المشركين في غزوة الخندق.

فغزاهم النبي صلى الله عليه وسلم وحاصر حصونهم، وانتصر عليهم، فدخل بعض الحصون عُنْوَةً، ودخل بعضها صُلْحاً، وسارع آخرون إلى طلب الأمان، فكان لكل صِنْفٍ حُكْمُهُ، ولم يُجْلِ أحداً من دياره، إلا أنه صالحهم على أن للمسلمين إجلاءهم متى شاؤوا.

وفي ذي القعدة من هذه السنة (مارس من سنة 629م) قضى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عُمرته هو وأصحابُه، وهي عُمرته التي كان قد مُنِعَ من أدائها في عامه الماضي. وكان هذا القضاءُ للعمرة أحدَ شروط صلح الحديبية، الذي كان بينه وبين كفار مكّة.

وفي جمادى الأولى من عام ثمانية للهجرة (الموافق سبتمبر من سنة 629م) جَهّزَ النبي صلى الله عليه وسلم جيشاً قوامُهُ ثلاثة آلاف مقاتل، لم يَقُدْهُ النبي صلى الله عليه وسلم وإنما جعل قيادته بيد زيد بن حارثة، فإن قُتل: فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل: فعبد الله بن رواحة. وكانت وِجهته لعربٍ من حلفاء الروم، هم الغساسنة، الذين أظهروا العداوة للمسلمين.

ولقد خرج المسلمون إلى بلاد الشام، إلى (مؤتة) ، جنوب غرب الأردن، فَسُمِّيت الغزوة لذلك بغزوة مؤتة. لتَلْقَى هناك جموعاً هائلة، بلغت مائتي ألف مقاتل، حيث إن الروم كانوا قد أمدُّوا أحلافهم بمئة ألف مقاتل، انضمّوا إلى الغساسنة وأحلافهم الآخرين من العرب.

إن هذا الفارق الشاسع بين عدد الجيشين (3000 200000) ، مع الفارق الكبير أيضاً في العتاد، يظهر أن الحرب غير متكافئة بكل المقاييس. ولذلك تردّد المسلمون في المواجهة، ثمّ عزموا على الإقدام. ولم يتردّدوا خوفاً، وإنّما مراعاةً للمصلحة ونظراً في الحكمة من المواجهة، ولا أقدموا إلا خشيةَ الإثم وأن يقعوا في سخط الله بمخالفة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لقد بدأت هذه المعركة بذلك الميزان الطائش غير المتكافئ، وأَبْلَى المسلمون بلاءً حسناً، وأثبتوا للدنيا كيف ومتى تكون الآخرةُ أحبَّ إلى المرْءِ من الدنيا. وسَقَطَ القوّادُ الثلاثة شهداء في أرض المعركة، واحداً تِلْوَ الآخر، مُعَلِّمين العالمين درساً من الشجاعة لا يُنْسَى، حتى إن جعفر بن أبي طالب الذي كان القائد الثاني، لمّا قُطعت يُمْناه التي يرفع بها الرايّة، رفعها بيُسْراه، فلمّا قُطِعت يُسراه ضمَّها إليه، حتى استُشهد، ليتسلمها القائد الثالث بعده!!!

ثم رأى المسلمون، وهم في أرض المعركة، أن يُولّوا القيادة القائد الفذّ خالد بن الوليد رضي الله عنه، الذي رأى أن استمرار القتال لا يعني إلا الفناء المحقَّق. فدبَّر مكيدةً يُوهم العدوَّ بمجيء مَدَدٍ للمسلمين، و أَوْهَمَهُم أنه ينسحبُ انسحاب مخادعةٍ للإيقاع بهم، فانْفَصَل العدوُّ عنهم، ولم يُفكّر في تَعَقُّبهم. واستطاع خالدٌ بذلك أن ينجو بجيش المسلمين من الهلاك الكامل، وأن يعود بعدد قليل من الخسائر، ولذلك لم يُعتبر هذا الفعل من خالدٍ هزيمة، بل اعتُبرَ خطةً عسكرية من نوع الكرّ والفرّ في ساح القتال.

وفي هذا العام، وبعد معركة مؤتة نقضت قريشٌ عهدها مع النبي صلى الله عليه وسلم، الذي كانت قد أبرمته في الحديبية، حيث أعانت أحلافاً لها على أحلافٍ للنبي صلى الله عليه وسلم، الذين قُتِل منهم عشرون رجلاً.

لقد كان هذا الحَدَثُ خَرْقاً واضحاً من قريش لعهدهم مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية، ولم تُحاول المبادرة إلى الاعتذار وإلى تجديد العهد؛ إلا مؤخّراً، بعد أن بلغتها أخبار استعداد المسلمين لمواجهةٍ ما معهم.

أمّا النبي صلى الله عليه وسلم فقد استنفر المسلمين، وأخْفَى مَقْصَده، حتى اجتمع عددٌ ضَخْمٌ لم يعرفه المسلمون في جيوشهم السابقة، وهو عشرة آلاف مقاتل. ومثل هذا العدد يُظهر مقدار انتشار الإسلام بعد صُلْح الحديبيّة، الذي كان فرصة دعوية كبرى للمسلمين.

وخرج النبي صلى الله عليه وسلم بالمسلمين من المدينة قاصداً مكّة، في 10 رمضان من سنة ثمان، الموافق 1 يناير من سنة 630م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت