فهرس الكتاب

الصفحة 2864 من 3657

ولمّا بلغ كفار مكّة هذا الخبر، اعتبروا ذلك إهانةً لهم، خاصةً بعد فشلهم الذريع في العام الماضي في غزوة الأحزاب. كما أنّهم يعلمون أنه لا حقّ لهم في أن يمنعوا أحداً جاء لتعظيم البيت الحرام والطواف والسعي، وأن جميع العرب لا يقبلون ذلك منهم.

ولذلك ما إن بلغ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه منطقة الحديبية، وهي موضع يبعد عن مكة اثنين وعشرين كيلاً فقط، حتى أعلن كفارُ مكّة مَنْعَ المسلمين من دخولها، وابتدؤا عَقْدَ مفاوضات معهم بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم. وفي هذا اعترافٌ ضمنيّ واضح، ولأول مَرّة، من مشركي مكّة، بالكيان الإسلامي. إنه الاعتراف الذي كان المشركون يَأْبَوْنَ الرضوخ له أشدَّ الإباء، فهاهم اليوم يسعون هم إليه ؛ بسبب موقفهم المحرج السابق ذكره.

وقد رضي النبيُّ صلى الله عليه وسلم (وهو الرؤوف الرحيم) من مشركي مكّة بهذا الرضوخ، واكتفى منهم (وهو العليم بكبريائهم) بهذا الجرح العميق لكبريائهم. ولذلك فقد رضي بشروط ظاهرها أنها ليست في صالح المسلمين، مكتفياً بهذا النصر المعنوي الكبير، الذي هو في حقيقته نَصْرٌ دعوي كبير، لأنه كَسَر غرور الكفر الذي كان يحجب الحق عن أصحابه، وفتح باب إعمال العقل في دعوته من قِبل المشركين. وهذا ماوقع بالفعل، حيث قذفت مكّةُ بعد هذا الصلح بفلذات أكبادها، وبخيرة قوّادها، مسلمين طائعين بمحض إرادتهم، دون أن يُجبروا على ذلك.

وهذا الصلح الذي لم يَرْضَ عنه بعضُ المسلمين أوّلَ إبرامه، وصفه الله تعالى بأنه (فتح) ، وذلك في قوله تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً [الفتح:1-3] .

لقد أتاحت هذه المعاهدة للنبي صلى الله عليه وسلم فرصة كان ينتظرها، وهي توسيع نطاق دعوته. ممّا ترجمه بمكاتبة ملوك الآفاق يدعوهم للإسلام، فكاتب ملك الروم وملك الفرس وملك الأقباط بمصر وغيرهم من الملوك والأمراء يدعوهم للإسلام.

ونص خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل ملك الروم هو هذا النصّ الصحيح الثابت:

(( بسم الله الرحمن الرحيم

من محمدٍ عبدِ الله ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم.

السلام على من اتّبع الهُدَى.

أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أَسْلِم تَسْلَمْ، يُؤْتكَ اللهُ أْجَركَ مرتين، فإن تولَّيت فإن عليك إثْمَ الأريسيين ( ) .

{ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } )) .

إن هذا الخطاب الإسلامي الدعوي النموذجي، يستحقّ منّا الوقوف معه قليلاً، في أثناء تعريفنا بنبيّ الإسلام صلى الله عليه وسلم.

فممّا نودّ التنبيه عليه بشأنه ما يلي:

أوّلاً: عالميّة دين الإسلام، وأنّه الدين الذي لا يرضى الله تعالى من العالمين سواه بعد بعثة خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم به. وهذا ممّا يختصُّ به دينُ الإسلام، دون بقيّة الأديان السابقة، التي كانت أدياناً قوميّة (لاعالميّة) .

ثانياً: بيان الأسلوب الحضاريّ الراقي للدعوة إلى الإسلام، الذي هو أسلوب هذا الخطاب النبويّ. حيث إن أسلوب الكتابة أسلوب لطيفٌ في التعبير عن خطأ المخالِف، أكثر من أسلوب المشافهة والمجابهة بذلك. ثم تضمّن الخطابُ وصفاً لهرقل بما يناسب مكانتَه:"عظيم الروم". ثم البداية بالسلام على من اتّبع الهدى، وما في هذا الافتتاح بالدعاء من حُسْن البَدْء وبراعة الاستهلال، دون أيّ مخالفةٍ شرعيّة.

ثالثاً: بيان أنّ من كان على دين النصارى الصحيح غير المحرَّف، ممّن لا يقولون بألوهيّة عيسى (عليه السلام) ، بل إنه رسول الله كغيره من رُسُل الله=أنّ هذا لا يُنْجيهم عند الله تعالى بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، إلا إن آمنوا بالنبيّ محمد صلى الله عليه وسلم. فإن آمنوا فإنه يكون لهم أجران: أجر إيمانهم بعيسى نبيًّا ورسولاً، وأجر إيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم خاتمًا للأنبياء والمرسلين. ولذلك خَصّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم الأريسيين بالذكر؛ لأنهم كانوا من أهل التوحيد، وكان هرقل منهم (ولو في باطن أمره) . فإصراره على عدم اتّباع النبي صلى الله عليه وسلم وكُفْرُهُ بذلك، سيكون سبباً في إصرار هؤلاء (الذين هم أصحاب الدين الصحيح قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم) وسبباً في كُفْرهم أيضاً، فيكون عليه إثمهم؛ لأنه كان سببَ هذا الإثم، وسببَ صَدِّهم عن آخر الأديان (وهو الإسلام) الذي لا يقبل الله من العالمين سواه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت