فهرس الكتاب

الصفحة 2863 من 3657

أما المؤمنون (فكالعادة) لا يزيدهم البلاء إلا عافية، ولا يخرجون من المِحَنِ إلا أكثر ثباتاً على الحق، كما قال تعالى وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً [الأحزاب:22 - 23] .

لقد كانت خاتمة هذا الضيق العظيم والمحنة الكبرى غير متوقّعةٍ أبداً، حيث ملَّ المشركون الانتظار، وابتلاهم الله تعالى بريح شديدة البرودة، أضعفتهم عن تحمُّلِ البقاء في العراء أكثر ممّا بقوا. فتفرّقت أحلافهم، وابتدأوا بالرجوع إلى ديارهم شيئاً فشيئا، حتى انفضّ الأحزاب، وكان من آخرهم رجوعاً كفار مكّة. وانتهت هذه المحنة الكبرى، التي كانت في ظاهرها أعظم من كل المحن السابقة، نهايةً كأنه لم يكن لها بداية، كما قال تعالى {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً} [الأحزاب:25] .

لقد انتهت هذه المعركة بانتصارٍ حقيقي للمسلمين، حيث كلّفَ المشركين الكثير، ولم يكلف المسلمين إلا القليل. كما أنه قد أثبت عَجْزَ مشركي مكة من استئصال شأفة المسلمين، وأنّه لا أمل لهم في ذلك؛ لأنّهم قد بذلوا غاية ما يستطيعون في هذه الغزوة لتحقيق هذا الأمل الكبير لهم، ومع ذلك فقد رجعوا وقد فشلوا عن أقلّ ما يأملون فيه.

وقد الْتَفَتَ المسلمون بعد هذا النصر إلى أعدائهم الملاصقين لهم، والذين ما فتئوا ينقضون العهود، وقد نقضوه هذه المرّة في أحرج ظرف، وأبدَوْا بوضوح الرغبةَ نَفْسَها التي كانت عند مشركي مكَّة ،وهي استئصال المسلمين عن آخرهم. لقد الْتَفَتَ المسلمون إلى اليهود المجاورين لهم، الذين كان ضررهم والخوف منهم (بسبب المجاورة) أشدّ من غيرهم، والذين لم يراعوا شيئاً من العهود والمواثيق التي كانت بينهم وبين المسلمين. فحاصرهم المسلمون خمساً وعشرين ليلة، إلى أن استسلموا على أن يَحْكُمَ في جريمتهم أحدُ حلفائهم من المسلمين، الذي ظنّوا أنه سيكون أرْأفَ بخيانتهم من غيره. لكنّ هذا الحليف (هو سعد بن معاذ رضي الله عنه) قد حكمَ فيهم بالحُكْم الذي يستحقُّه كل من خان الخيانة العظمى، وهو الحُكْمُ نفسُه الذي كان اليهود قد أصدروه فعلاً ضدّ المسلمين، وأضافوا إلى إصداره السَّعْيَ إلى تنفيذه، وهو استئصال المسلمين، لولا إفشالُ الله تعالى لمؤامرتهم الكبرى في ذلك. بل الفرق كبيرٌ جدّاً بين حُكْم اليهود السابق لحكم المسلمين وحُكْمِ المسلمين: حيث إن حكم اليهود كان نقضاً للعهد، وكان خيانة للمواثيق، التي كانت بينهم وبين المسلمين، وكان من غير جُرْمٍ ارتكبه المسلمون، وكان في وقتٍ حرج يستحقُّ فيه المسلمون الإعانة على عدوِّهم الكافر المتحزِّب ضدّهم، وكان إصدار ذلك الحكم من اليهود على حين غِرّة وغفلة من المسلمين عنهم. أمّا حكم المسلمين فهو على الضدِّ من ذلك كُلّه، فهو جزاءٌ لنقض العهود ولخيانة المواثيق، وهو حكمٌ قضائيٌ عادل من قاضٍ اختاره اليهود أنفسهم، وهو حكمٌ بالمثل وجزاءٌ بالمثل.. إلى غير ذلك من أضداد حكم اليهود، ممّا يُبيّنُ عدالةَ حكم القاضي الذي رضيه اليهود وظُلْمَ واعتداء حكم اليهود.

لقد حَكَمَ فيهم سعدُ بن معاذ بقَتْل القادرين على القتال منهم، وأن يُسبى النساء والأطفال، ونُفَّذَ فيهم هذا الحكم، فقُتل نحو أربع مئة رجل، وسُبي النساء والصغار.

ولا نستغرب بالطبع أن يستنكر هذا الحكم اليهود، فما نكاد نعرف مجرماً رضي بعقوبة إجرامه. ولا نستغرب أيضاً أن يستنكره أعداءُ الإسلام، فهذا موقف كل عدوٍّ من عدوِّه.

لكنّنا نستغرب انسياقَ المنصفين وراء هؤلاء أو هؤلاء دون تأمُّل، ودون أن يستحضروا ما تذكره التوراة من معارك الأنبياء السابقين، وعدد ما سقط فيها من القتلى ( ) ، ودون أن يستحضروا التاريخ القريب المعاصر، وكَمْ سَقَط فيه من الضحايا المدنيين ومن النساء والأطفال!!! نحن إنما نخاطب المنصفين، ولا نخاطب المتعالين، الذين ينظرون إلى غيرهم أنهم لا وزن لهم ولا قيمة، الذين يرون الحقوق لهم وحدهم ولا حق لغيرهم!!!

ثم ألا يكفي أن يرضى عن هذا الحكم خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم، بل يُخبر أنه هو حكم الله فيهم؟!!!

وبعد عامٍ واحد من غزوة الأحزاب ، أي في ذي القعدة من سنة (6هـ) ، (الموافق مارس من عام 628م) خرج النبي صلى الله عليه وسلم بألفٍ وأربع مئة من أصحابه متوجِّهين إلى مكّة، بنيَّة العُمرة، وأحرموا لذلك من ذي الحليفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت