فهرس الكتاب

الصفحة 2862 من 3657

إن المسلمين وعلى رأسهم النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن لديهم وقتٌ إلا لنشر دين الله تعالى، ولذلك فقد عادت وفود الدعاة الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم يُرسلهم إلى القبائل بالانتشار، والتي لم تكن لتنجو تلك الوفود من الغَدْر والخيانة ومن الأعداء المتربّصين بهم من كل جانب، كما حصل للقُراء في موقعة الرجيع مع قبيلة لحْيان، وفي موقعة بئر معونة في نجد.

وفي لحظات الضعف، كما في مثل أعقاب غزوة أحد، يظهر الخونةُ الغادرون، بنقض العهود، ومحالفة الأعداء، وإعانتهم على محاولة الإيقاع بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وهذا ما وقع من بني النضير من اليهود، فحاصرهم المسلمون، حتى رضي اليهود بالجلاء عن المدينة. كما جلا بنو قينقاع من اليهود أيضاً قبلهم، أعقاب غزوة بدر، الذين أغاظهم انتصار المسلمين ببدر، فنقضوا العهد الذي بينهم وبين المسلمين، وجاهروهم بالعداء؛ لشدّة ما تملّكهم من الحسد على المسلمين.

وفي يوم الاثنين لليليتين خلتا من شهر شعبان من سنة خمس، الموافق 28 ديسمبر من سنة (626م) ، غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بني المصطلق، وهم من قبيلة خزاعة العربيّة، وكانوا من أحلاف كفار مكّة، وممن أعانوا الكفار يوم أحد، وهم فوق ذلك سدنةُ صنمٍ شهير عند العرب، وهو مناة. وكان موقع هذه القبيلة مهمًّا جدًّا، حيث كانوا بين مكّة والمدينة، ويبعدون عن مكّة نحو مائة كيل شمالاً. وقد كانت نتيجة هذه الغزوة حاسمة حيث انتصر فيها المسلمون، وأعادوا هيبتهم بعد أُحُد، وبعد أن طمع فيهم العرب، ومنهم بنوا المصطلق هؤلاء، الذين كانوا عازمين على غزو المسلمين، فرأى النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يبدأهم قبل أن يبدؤوا هم به. وكان ذلك قراراً حكيماً، حيث كان له الأثر الكبير في تحقيق نصر المسلمين.

ولا شك أن هذا الخبر قد ساءَ قريشاً كثيراً، وأشعرها بالقوّة التي بلغها المسلمون وبالشجاعة التي أُوتوها، وتملّكهم الفزع من أن يأتي اليوم الذي قد يقصد فيه المسلمون مكّةَ نفسَها. ولذلك فقد أعلن كفار مكّة الاستنفار العام، وأرسلوا إلى أحلافهم من القبائل، وإلى القبائل الكافرة القريبة من المدينة يعرضون عليها التحالف على تكوين جيش واحد يقضي على الإسلام تماماً ويستأصل شأفةَ المسلمين. وقد أعانهم على هذا التحزُّبِ يهودُ بني النضير وغيرهم من اليهود، الذين ملأ الحقد قلوبهم، خاصة بعد جلائهم من المدينة.

وقد تمّ لكفار مكّة تكوين الجيش الذي يريدون، وتحزّبَ الكُفّار بالفعل وأقبل الشركُ وأهلُه في جيش كثيف، يفوق عدد جيشهم في بَدْر بعشرة أضعاف، حيث كانوا عشرة آلاف مقاتل.

وفي هذه المرَّة عرف المسلمون أن الحماسَ الذي أخرجهم في أُحُدٍ من المدينة لن ينفعهم، وأنه لابد من الإفادة من طبيعة أرض المدينة، المحصّنةِ بالجبال والحِرار، والتي لا يمكن معها أن يدخل المشركون المدينة، إلا من جهةٍ واحدة؛ ولذلك فقد قاموا بحفر خندق في تلك الجهة، ليمكنهم تحصين بلدهم. ولذلك سُمّيت هذه الغزوة بغزوة الخندق، كما سُمّيت أيضاً بغزوة الأحزاب؛ لتحزُّبِ أعداءِ الإسلام وأهله على أن يقضوا على الإسلام وأهله. وقد وقعت في شهر شوّال من سنة خمس للهجرة، الموافق 1 فبراير من سنة 627م.

لقد وصل الأحزابُ المدينة في هذا التاريخ بالفعل، وقد فاجأهم الخندق الذي حُفر بسرعة غير متوقَّعة؛ لأنه حُفِر باشتراك جميع المسلمين، حتى النبي صلى الله عليه وسلم كان يحفره معهم، ويضرب بمعوله معهم.

ووقف المشركون أمام هذا الخندق حائرين، الذي إن حاولوا اقتحامه، أمطرهم المسلمون بالسهام.

ولكن المشركين شدّدوا الحصار على المسلمين، الذي دام أربعة وعشرين يوماً، كانت من أشدّ ما تعرّض له المسلمون من الابتلاء. حيث اجتمع فيها مواجهةُ هذا الجيش الكثيف من الأحزاب الذي ينوي استئصالهم تماماً، والجوعُ وقِلّةُ المؤن، مع فشوّ خبر خيانة يهود بني قريظة الذين ينوون إدخال المشركين إلى المدينة من جهتهم وأن يعاونوهم في حرب المسلمين، مع إشاعة المنافقين لروح الهزيمة وسَعْيهم إلى إثارة وساوس الشك في أصل الدين.

لقد كان امتحاناً صعباً جدّاً، ذكره الله تعالى في كتابه، فقال تعالى إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [الأحزاب:10-12] .

فالذين جاؤوهم من فوقهم: هم الأحزاب، والذين جاؤوهم من أسفل منهم: يهود بني قريظة الذين خانوا المسلمين في أحرج ظرف، والمنافقون: اغتنموا الفرصة التي ظنّوا أنها آخر ساعات الإسلام وأهله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت