فهرس الكتاب

الصفحة 2861 من 3657

لقد بلغ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أن عددَ المشركين كبيرٌ، وأنه يفوق عدد المسلمين بثلاث مّرات. فخرج من المدينة إلى جبل أحد، ليختار ساحة القتال بنفسه، وهو يعلم أن قريش لن تتردّد أن تأتيه في أي مكان كان، فأحكَم صلى الله عليه وسلم خطّة القتال، واحتاط لكل الاحتمالات، ومن ذلك أنه أمر كتيبةً من جيشه أن تعسكر على جبل صغير مُطِلٍ على ساحة القتال، وشدّدَ عليهم الأمر بعدم مفارقة أماكنهم مهما كانت الظروف.

فلما أقبل المشركون يؤزُّهم الانتقام ويُحَمِّسُهم طلبُ الثأر لهزيمتهم السابقة ببدر. واجههم المسلمون في أُحُد بثبات المؤمنين الموقنين بالنصر المؤيد من الله تعالى، الراغبين في التضحية في سبيل الدين.

وقد تمّ اللقاء في وَسَط شهر شوال من سنة ثلاثٍ للهجرة، الموافق لمارس من سنة (625م) .

ودارت رحى المعركة، فهوت ألوية الباطل، وبدأت فلول المشركين بالفرار، وكادت المعركة تُنهي فصولها على نصر جديد للمسلمين. غير أن الكتيبة التي أُمرت بالمرابطة على رأس ذلك الجبل، وأمرت أن لا تبرح مكانها مهما كانت الظروف، ظنّت المعركة قد انتهت، وأحبّت مشاركة بقية الكتائب المسلمة لذّة الظفر والانتصار، فخالفت ما أُمرت به، فهبطت عن الجبل. وتنبَّهَ لذلك قائدُ إحدى كتائب المشركين، فاغتنم هذه الفرصة لإنجاء قومه، فالْتفَّ بكتيبته من وراء الجبل، وفاجأَ المسلمين من خَلْفِهم، الذين باغتهم الحَدَثَ بهَوْل المفاجأة وشراسةِ الحيرة في الأوقات الحرجة، وتنبَّهَ بقيّةُ المشركين الذين كانوا أمامهم فاريّن أو على أهبة الفرار بما حدث، فقادتهم غريزةُ حبِّ البقاء إلى التجربة الأخيرة، ليعودوا إلى المسلمين بروح جديدة أشدّ شراسة، فوقع المسلمون بذلك بين فكَّين، ووقع الابتلاء العظيم.

لقد ضرب المسلمون في تلك اللحظات أمثلةً رائعة في التضحية، وصدق الإيمان، وحبِّ الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث أحاطوا به، وجعلوا من أجسادهم درعاً له يحمونه بها. ولا يزداد المشركون في هذه الأثناء إلا سُرعة إقبالٍ من كلا الجانبين، حتى التقى الفكّان على قتلى المسلمين، وتراجع بقية المسلمين إلى جبل أحد، ليجعلوه خَلْف ظهورهم، خروجاً من المأزق الذي حُوصروا فيه، ليقف العدوّ أمامهم، بعد أن التقى طرفا جيشه، ليرى بقيّةَ جيش المسلمين قد نَجَا، وأنْ المفاجأة قد انتهت دَهْشتُها، وأنهم يستعيدون أنفاسهم. فأدرك المشركون أنه لا مطمع لهم في المسلمين أكثر ممّا وقع، وأنه لا بُدّ من المبادرة إلى إنهاء فصول هذه المعركة عند هذا الحدّ، قبل أن يعود إليهم المسلمون بما عرفوه عنهم من: صدق اللقاء، ومحبّة التضحية. فأسرع المشركون في مغادرة ساحة القتال، عائدين إلى مكّة، ولم يَجْرُؤوا على أن يحاولوا الإجهازَ على المسلمين، أو أن يدخلوا المدينة، التي أصبحت مكشوفةً لهم تماماً، فهم بينها وبين المسلمين.

لقد كانت غزوة أحد درساً قاسياً للمسلمين، لكنه درسٌ جديد، كان لا بُدّ منه. فهو كَمِبْضَعِ الطبيب، الذي يجرح ليداوي، فالمجروح به بعد جُرحه أصحّ وأقوى منه قبله.

إن أتباع الحق قد ينهزمون، لكن الحق بحُجّته وبرهانه لا ينهزم، وهذا هو سبب ثبات أتباعه حتى عند وقوعهم تحت أَلَم الهزيمة. فالهزيمةُ لا تجعل الحق باطلاً، ولا الباطل حقاً!! والضّعفُ الماديّ لا يقلب الحقائق، ولا يُغِّيرُ الثوابت.

أفتنسى النصرانيّةُ الاضطهاد الشديد الذي لاقَتْهُ على يد قياصرة الروم الوثنيين في أوائل تاريخها؟! أفتنسى القتل والتعذيب والتشريد؟!! والذي لم يكن ليُعجزَ أعداءهم أن يُلبسوهُ لباسَ العدالة، بإصدار تلك الأحكام بالقتل والتعذيب من أروقة محاكمهم التابعة لهم. ولم يكن ليعجز أعداءهم أيضاً أن يصفوا النصارى حينها بأقبح الأوصاف، وأن يُذيعوا هذه الأوصاف بكل الوسائل الإعلاميّة المتاحة لهم في ذلك الوقت، ليؤكّدوا بذلك على عدالة أحكامهم أيضاً. لم يكن ذلك كله (وقد وقع فعلاً) كافياً لقَلْبِ الحقائق، وإلا فهل أصبح النصارى هم أهل الباطل فعلاً حينها؟! هل تحوَّلَ دينُ الوثنيين ليكون هو الحقّ وأتباعه هم أهل الحق؟!! لمجرّد أن الوثنيين كانوا هم أهل الحضارة والتقدم والقوّة والسلطان، ولمجرّد أنهم كانوا هم القادرين على السَّحْق والإذلال القَسْري!!!

أم هل ينسى بنو إسرائيل ما لاقوه من فراعنة مصر؟! أو من بخت نصر في بابل؟!

أم هل تنسى كُلُّ أمة كانت على الحق ما مَرَّ بها من لحظات الهزيمة والضعف المادّي؟!!

لقد عاد المسلمون بعد أحد بدروس قاسية، لكن على قدر قسوتها كانت إفادتها.

وعاد المشركون الذين يقاتلون بغير مبدأ، لأن مبدأهم هو الباطل، بغير دروس؛ إلا من سُكْر الانتصار، وإشباع شهوة الانتقام، وانتهى الأمر عندهم إلى هذا الحدّ، إلا من هاجس الخوف المترقَّب، من أن تَقْوَى دولةُ الحق، حتى تغزوهم في عُقْر دارهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت