فهرس الكتاب

الصفحة 2860 من 3657

لقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبدأ مواجهته الصريحة التي أُذن له بها بمواجهةٍ اقتصاديّة، وحَرْبٍ ماليّة، بَمْنع كُفّار مكة من أحد طرق قوافلها التجاريّة، عسى أن يكون ذلك سبباً لاستفاقة كفار مكة من سكرة غرورهم، وأن يعلموا أن الحقّ قد قامت له دولة، وهي وإن كانت في بداية نشأتها، لكنها قادرةٌ على أن تأخذ بعض حقّها. إذ لعل هذا ، لو تفطن له المشركون، يكون سبباً لأن يفيئوا إلى الحق، أو أن يكفوا بعض غلوائهم في إيذاء المسلمين وتدبير المكايد ضدّهم.

ولذلك لمّا بلغ النبيَّ صلى الله عليه وسلم مرورُ قافلة تجارية لقريش، عائدة من الشام، على مقربة من المدينة، أمر أصحابه بالخروج لها. لكن القافلة استطاعت أن تُفْلت من أيدي المسلمين، حيث كان قد بلغ قائدها ما كان ينويه المسلمون، فغيّرَ مسارها، وتَخَفَّى بذلك، حتى ابتعد عن المسلمين ونجا بقافلته.

أمّا قريشٌ بمكّة، فإنه بلغها نَبَأُ احتمال وقوع قافلتها في أيدي المسلمين، فاستشاطت غضباً، واعتبرت ذلك كسراً لأنف كبريائها. فخرجت مغرورةً بعددها وعتادها، لإنقاذ القافلة. ثم إنّه بلغها نجاةُ القافلة أيضاً، فلم ترجع إلى مكة، لأنّها ترى أن مجرّد خروج المسلمين عن سكوتهم الطويل على إيذائهم إلى بداية الدفاع عن النفس والمطالبة ببعض الحق، أن ذلك إهانةٌ كبرى يستحقّون السَّحْقَ لأجلها، وأن يُبادوا عن بكرة أبيهم.

وعلم النبي صلى الله عليه وسلم بعد نجاة القافلة، بخروج قريش، وعلم أن الله تعالى شاء أن تكون أول مواجهةٍ صريحةٍ لا حرباً اقتصاديّة، بل حرباً عسكريَّة وقتالاً بين جند الرحمن وجند الشيطان. فعسكر النبي صلى الله عليه وسلم في منطقة بدر (المشار إليها آنفاً) ، وهي أقرب إلى المدينة بنحو نصف المسافة منها عن مكّة.

أمّا كفار قريش فخرجوا بخيلهم وخُيَلائهم، وهم في غاية الكبر والبطر، تغنِّيهم القيان، وتُضْرب الدفوف، ويشربون الخمور. وكأنّهم مقبلون على فرح أو عيد، إمعاناً في التعالي والغرور، إذ إنهم يعلمون أنهم يزحفون بجيش يفوق عدد المسلمين بثلاثة أضعاف، وأنهم أكثر سلاحاً وأشدّ عتاداً.

أمّا المسلمون فقد مكثوا ببدر، ينتظرون هذا اللقاء الحاسم، مستكينين لربِّهم عز وجل، يرجون رضاه عنهم ببذل أنفسهم في سبيل دينه، ويتضرّعون إليه تعالى بأن يرزقهم إحدى الحُسْنيين: النصر، أو الشهادة . معتمدين على تأييد ربِّهم لهم، ووعده بنصر المؤمنين، من غير أن يُغفلوا ما استطاعوا عليه من الأسباب الدنيويّة التي تعينهم على تحقيق النصر.

وأخيراً التقى الصفّان، والتحمَ الجيشان، ودارت رحى المعركة، على أرض بَدْر.

لقد كانت بَدْرٌ المعركةَ الأولى في تاريخ البشريّة الأخير، تاريخ آخر دين يرضاه الخالق للخَلْق، بين أنصار هذا الدين وقيادة خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم وأنصار الكفر وقيادة فرعون هذه الأمة أبي جهل.

لقد صدق المسلمون مع ربِّهم، فصدقهم وَعْده، وأنزل عليهم نَصْرهُ، وهَوَت رؤوس الكُفْر على أرض بدر، فسقط سبعون منهم قتلى، وسبعون أسرى، وَوَلّى بقيّتهم الأدبار.

إنه أوّل يوم في تاريخ البشريّة الأخير، ينتصف فيه الحق من الباطل، وأول يوم ينتصرُ فيه الإسلام على الكفر باليد والسِّنان، وإن كان منتصراً دوماً بالحجة والبرهان؛ ولذلك سَمّى الله تعالى هذا اليوم بيوم الفرقان؛ لأنه يومُ ظهر فيه الحق على الباطل، وأسفر فيه وجه الخير بنوره، وتقنّعَ فيه وَجْهُ الشرّ بظُلمته.

وفي هذا العام، وهو العام الثاني: فُرض صوم رمضان، وفرضت زكاة المال والفطر، وحُوِّلت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة.

وما إن مَرَّ على غزوة بدر سنةٌ واحدة حتى عاد مشركو قريش لغزو المسلمين بالمدينة، انتقاماً وثأراً لما وقع لهم ببدر. وكانت هذه الغزوة على مشارف المدينة، عند جبل أُحد، الذي لا يبعد عن وسط المدينة إلا خمسة أكيالٍ ونصف كيلٍ فقط.

وبعد أن بلغ النبي صلى الله عليه وسلم خروج قريش لحربهم من مكة جمع أصحابه من المهاجرين والأنصار، واستشارهم في أمر هذه المواجهة: هل يخرج للقاء المشركين خارج المدينة، أم يبقى في المدينة نفسها مستفيداً من تحصيناتها الطبيعيّة ومن حصونها وأسوارها؟ وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤيّدُ الرأي الأخير، لكنّ حماسَ بعض المسلمين كان سبباً لتنازل النبي صلى الله عليه وسلم عن رأيه (الذي لم يكن قد أُوحي إليه فيه شيء) ، فاختار المسلمون الخروج، وقَبِل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وهو له كارهٌ، مرسياً بذلك مبدأ الشورى بين المسلمين على أنصع صوره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت