فهرس الكتاب

الصفحة 2859 من 3657

وهذا هو معنى قوله تعالى {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه} [الأنفال:39] ؛ حيث إن القاعدة الراسخة في دين الإسلام، وهي عدم الإكراه في الدين، قد جاءت في كتاب الله واضحةً ناصعة { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256] ، وهذه القاعدة جاءت مشفوعة بما يُشْبه تَعْليلها وبيان سبب تقعيدها، حيث قال الله تعالى فيها لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَاخَالِدُونَ [البقرة:256- 257] ، فعدم الإكراه في الدين كان لأنّه قد تّبينَ واتضح سبيل الرشاد من سبيل الغواية. وهذا كما أنه صريحٌ في وجوب ترك الناس أحراراً في اختيارهم للدين الذي كانوا عليه أو للدين الحق، فهو صريحٌ أيضاً في وجوب تحقيق أسباب هذا الاختيار الحُرّ، وهو أن يكون الرشد قد تبين وامتازَ عن الغيّ، وأمّا إذا لم يتبين الرشد من الغيّ: فكيف سيمكن أن يتحقق الاختيار الحر؟! بل كيف سيتحقق الاختيار أصلاً إذا لم يكن لديّ إلا خيارٌ واحد، بل سبيلٌ واحدٌ فقط، هو الغيّ وحده (أو الغيّ المختلط بالرشاد، أو الرشاد المشوّه الناقص، اللذان هما غيٌّ أيضاً) ؟!! إنني في هذه الحالة، حالة عدم تبيّن الرشد من الغيّ، سأكون أبعد ما أكون عن الاختيار، بل أنا حينها مُكْرهٌ، شعرتُ أو لم أشعر!!!

ولذلك فقد جاءت الفتوح الإسلاميّة تحقيقاً للاختيار الحُرّ، بتبيين الرشد من الغي، وهو الاختيار الذي منعت دولُ الباطل شعوبَها من الوصول إليه أو أن يصل إليهم، بحصرهم ضمن اختيارٍ واحدٍ فقط، هو الغي!!!

إن الجهاد في سبيل الله، كاسمه: جهاد في سبيل الله، فهو مشروع لإقامة دين الله تعالى. وليس مشروعا استعباداً للبشر، ولا طمعاً في المكاسب المادية من الاستئثار بالثروات واغتصاب الأملاك وسَلْب الأموال، ولا ليكون سُلّماً لتحقيق المطامع المعنويّة من بَسْط النفوذ وفرْض السيطرة واستعراض القوّة. وقد كان هذا واضحاً غاية الوضوح عند المسلمين، حتى قالها أصغر جندي مسلم لأعظم قائد فارسي في زمن الفتوح الإسلامية:"جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة".

فلهذا الغرض الشريف والغاية السامية فُرض الجهاد في سبيل الله تعالى بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.

وبعد سنة ونصف تقريباً من وصوله صلى الله عليه وسلم وقع أوّل لقاءٍ بين الحق والباطل، بين الإسلام والكفر. لقد دارت رحى أوّل معركة إسلاميّة على أرض بَدْر، وهي موضع يبعد عن المدينة (155 كيلاً) جنوباً، وذلك في 17 رمضان في السنة الثانية من الهجرة، الموافق: فبراير من سنة 624م.

لقد كانت موقعة بَدْر مثالاً رائعاً للصِّدام المادِّي الحِسِّي الصريح بين الحق والباطل، ليجسِّدَ الصِّدامَ المعنويَّ الأبديَّ بينهما أوضح تجسيد، جاعلاً له بهذا التجسيد صراعاً مُشاهَداً ماثلاً للعيان، لا مجرّدَ صراع فكريّ أو حضاريّ، لِيَعْظُمَ اليقينُ بذلك على أن مثل هذه المواجهة لابُدّ أن تكون. إن هذه المواجهة حقيقيةٌ، ولو تأخَّرت أحياناً، لكنّها محتومة، لها أسبابها وأبعادها المعلومة، ونتيجتُها محسومة { وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ } [الروم:47] .

وكان سبب هذه الغزوة أن كفار قريش الذين كانوا قد استلذّوا إيذاءَ المسلمين وتعذيبَهم وقَتْلَهم بمكّة، ولم يزدادوا مع امتداد الوقت إلا استمراءً لهذه اللذّة، مغترِّين بقوتهم وبعدم قتال المسلمين لهم ودفاعِهم عن أنفسهم=قد أسكرهم الغرور، حتى نَسُوا أن الهجرةَ قد وَحّدت صَفَّ المسلمين، وأن موقع المدينة في شمال مكّة يقع على مقربة من قوافلهم التجارية المتّجهة إلى بلاد الشام، وأن التعرُّضَ لها من قِبَل المسلمين أصبح أمراً مقدوراً لهم، وأنه هَدَفٌ قريبٌ وسهلٌ وعادلٌ لهم، بل هو - في الحقيقة - ردٌّ على شيءٍ قليل من الأذى والتعذيب والقتل الذي كانوا ( وما زال المستضعفون منهم بمكة ممن لم يهاجر) يُلاقونه منهم، واستردادٌ لشيءٍ من حقوقهم في بيوتهم وأموالهم وأملاكهم التي استولى عليها المشركون بعد هجرتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت