فهرس الكتاب

الصفحة 2858 من 3657

يقول تعالى أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ [الحج: 39-44] .

هذه هي الظروف والأحوال التي شُرع فيها الجهاد في سبيل الله تعالى، وهذه هي آية الإذن به. ومن هذين الأمرين يتضح غرض الجهاد وهدفُه غاية الوضوح ، وهو ما كان واضحاً عند المسلمين أيضاً غاية الوضوح. فهو إنما شُرع لمقاومة الباطل وَدفْع صولته على الحق، ولنشر الحق بين من لم يكن يحول بينه وبين اتّباعه إلا عدم رؤيته.

إذن فللجهاد سببان، لا ثالث لهما:

الأول: الدفاع عن الحقوق الشخصية: كالدين، والعرض، والنفس، والمال، والوطن. وهذا حقٌ لا خلاف في عدالة مشروعيتّه، إلا عند من أراد استعباد غيره من البشر وأن يسلبهم حُرّيتهم!

الثاني: لإيصال صَوْت الحق إلى الآذان التي لم تطرقها إلاّ أبواقُ الباطل وضجيجُه، ولعَرْض دين الله تعالى على القلوب التي مُنِعت من أن لا تعرف إلا ظلامَ الكفر وظُلم الشرك. فدولة الباطل وسدنته وطواغيتُه، وعلى رأسهم الشيطان (عدوّ البشريّة الأول، الذي أخرج أبويهم من الجنّة) ، وهم الذين امتنعوا عن الخضوع لدين خالقهم، مع علمهم بأنه دين خالقهم، استكباراً وعناداً للخالق سبحانه وتعالى=لن يروق لهم أن تنتصر دولة الحق، وأن ينتشر دين الله تعالى بين الناس. وهم يعلمون أنهم على الباطل، وأن ظلام باطلهم لا يَقْوَى أمام ضياءِ الحق، وأن كثيراً من أتباع الباطل لو جاءهم بصيصُ ذلك الضياء لا نقادوا إليه. ولذلك فمن الطبيعي أن يحرص أعوان الباطل وطواغيته أن يسدوا الآذان ويحجبوا الأعين لأولئك الأتباع، وأن يبنوا الأسوار ويسدلوا الستور بينهم وبين الحق؛ لكي لا يفقدوا أولئك الأتباع، الذين لو تُركوا لسماع صوت الحق لانقادوا لحُجَجِه الآسرة للقلوب، ولأقبلوا عليه إقبال الظامئ إلى الماء الزلال. فلا مناص حينها للحق من أن يواجه دول الباطل بالقوة، وأن لا يقف مكتوف اليد أمام تلك الحجب التي ضربها الباطل على أعين وآذان وقلوب أتباعه، ممّن لو تبدَّى له حاجبُ شمس الحقّ لاَ نْقَشَعَ أمامَه ظلامُ الباطل وانزاحت سدوله مِن على قلبه. فعلى أنصار الحق وعلى أتباع دين الله تعالى: أن يكسروا أسوار الباطل، وأن يهتكوا ستور أعوانه، بأن يحاربوا دولته التي رفعت تلك الأسوار وأرخت تلك الستور بين الحق والظامئين له الراغبين فيه.

إذن فالفتوح الإسلامية لم تكن قطُّ لإجبار الناس على تغيير أديانهم بالقوة، ولم يعتقد المسلمون أنه يحقُّ لهم ذلك شرعاً في يوم من الأيام، كما أنه لا يصحّ لهم أن يعتقدوا أنه يحق لهم شرعاً أن يتركوا دول الكفر تمنعُ الناس وتصدّهم عن دين الله تعالى.

إن دين الإسلام الذي هو دين الخالق لم يُبح للمسلمين أن يجبروا الناس على تغيير أديانهم بالقوة، لا لأن تلك الأديان ليست باطلة، بل هي باطلةٌ كلّها إلا دين الإسلام ؛ ولكن لأن الخالق سبحانه (وهو الذي فطر البشر على ما هم عليه من الفطرة) يعلم أن الإنسان لا يمكن أن يغير معتقداته بالقوّة والإجبار، وأن العقائد لا تتبدّل بالترغيب والترهيب وحدهما، وإنما تتبدّل بالقناعة الناتجة عن الاختيار الحُرّ، ثم القناعة قد تكون قناعةً صحيحةً: إذا كانت ناتجةً عن دليل صحيح وبرهان حقيقي، وقد تكون قناعة غير صحيحة: إذا لم تكن ناتجة عن ذلك.

إذن فالفتوح الإسلامية إنما كانت حرباً لدول الكفر التي منعت شعوبها من سماع دعوة الحق، والتي صدت مواطنيها عن دين خالقها الذي لا سعادة لها ولا راحة ولا اطمئنان بغير الإيمان به وتطبيق أحكامه. ليكون الغرض من الجهاد حينها تمكين دولة الحق من عرض دين الله العرض الصحيح الكامل، لا العرض المشوه الناقص (كما يحصل قديماً وحديثاً من الباطل ودُوَلة وأنصاره) ، وليُتَْركَ للناس بعد ذلك اختيارُ الطريق الذي يريدون، دون تدخل أحدٍ - بأي نوع من أنواع التدخُّل - في سبيل اتخاذهم قرارهم بكل وضوح وحُرّية، وليكون عليهم بعد ذلك أن يتحملوا نتيجة قرارهم { لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} [الأنفال:42] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت