فهرس الكتاب

الصفحة 2857 من 3657

وأمامَ تكالُب الأعداء وشراسة حربهم ضدَّ الإسلام ونبَّيه صلى الله عليه وسلم وأتباعه، وبعد أن شعر أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار بأنّهم أصبحوا صفاً واحداً في مواجهة أعدائهم، بعد أن كانوا قبل الهجرة متفّرقين ليس لهم أيّ قوّة=تَمَنَّوْا أن لو أََذِنَ الله تعالى لهم بالدفاع عن دينهم وعن دولته الناشئة ولو بالقوة والقتال، حيث لم يكن مأذونا لهم بذلك في مكة ، ولمدة ثلاثة عشر عاماً فيها. فلقد علم المسلمون حينها من خلال السنوات التي مرت عليهم بمكة، ومن خلال الواقع الحالي لهم في المدينة، ومن خلال تاريخ الصراع الأزلي بين الحق وأتباعه والباطل وأتباعهً=أنه لابد من حصول مواجهة ومواجهات قوية وصارمة بينهم وبين أعداء دين الله تعالى وأتباع دينه. إنها سنةٌ كونيةٌ يكرّرُ التاريخُ فيها نَفْسَه في كل عصر وأوان: فأتباع الباطل لن يكفُّوا عن محاولة طمس ضوءِ الحق واستئصال أنصاره، كما أن على أنصار الحق أن يدافعوا عن أنفسهم، وأن يُبلّغوا الحق للناس، ممن لا يحول بينهم وبين الإيمان بالحقّ ومناصرته إلا أنهم لم يعرفوه ، فهم ليسوا كالمعاندين المستكبرين الذين يعرفون الحق ويصرون على الباطل. أما الحقَّ نَفْسُه فهو منتصرٌ منتصر؛ لأنه دين الإله الحق سبحانه وتعالى { بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} [الأنبياء:18] ، ويقول تعالى {يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [الصف:8-9] .

ولقد كان المسلمون بعد إحساسهم بقوتهم، المستمدة من إيمانهم الصادق اليقينيّ أنهم هم وحدهم أنصار الحق، وأن الله تعالى مؤيدهم، وسيجعل العاقبة لهم ولو بعد حين. وبعد أن رأوا وِحْدَةَ صفِّهم، وما بينهم من الأُلْفَةِ والأخوّة الإيمانيّة القويّة والرحمة والتعاون على الخير والإيثار=يَتَشَوّقُون لذلك اللقاء الحاسم بينهم وبين أعداء دين الله تعالى. مع أنهم لا يشكُّونَ أدنى شك أنهم من جهة الموازين المادّيّة أضعف من عدوهم، وأقل عَدَدَاً وعُدَدَاً بما لا يمكن أن يوازن بينهما؛ فهم كسفينة في خضم محيط هائج مائج من الأعداء في كل بقاع الأرض. لكن إيمانهم ويقينهم ورغبتهم في رضا ربهم ونوال ثوابه جعلهم مستعدين لتقديم أعظم التضحيات، راغبين في أن ينجحوا في اختبار إيمانهم وثباتهم عليه ولو بإراقة دمائهم وبَذْل أموالهم ودنياهم كُلِّها.

ومع أن هذه المواجهة الحاسمة بقيت غير مأذون بها بمكة لمدة ثلاثة عشر عاماً، إلا أن الله تعالى بحكمته البالغة وعلمه بكل شيء وعدله الكامل سبحانه وتعالى قد أذن بها بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. وقد جاء هذا الإذن في كتاب الله تعالى بأسلوب رائع معجز يأخذ بمجامع القلوب، في بضع آيات، تتضمّنُ بيانَ عدالةِ الإذن بالقتال، وأنه بسبب الظُّلم الذي وقع ويقع على أنصار دينه سبحانه، ومع أنه لم يقع من أنصار دينه عز وجل شيءٌ يقتضي مواجهتهم بالقوّة، إلا أنهم كانوا يقولون بأفواهم:"ربُّنا الله"، ولم يقاتلوا ولم يحاولوا ذلك، مع أنهم أولى بذلك وأحق؛ لأنّهم أهل الحق. وبذلك يظهر عِظَمُ ظُلْمِ أعداءِ دين الله تعالى، ومقدارُ شراسةِ حربهم ضدّ الإسلام وأتباعه، وعدالة تشريع القتال والإذن به لمواجهتهم. ثم يذكر الله تعالى أن هذه سنّةٌ كونيّة، وهي سُنّة المدافعة بين الحق والباطل، وأن الإذن بالقتال وتشريعه ليس خاصاً بدين الإسلام، فقد كان مأذونا به لموسى ويوشع بن نون وداود وسليمان وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام، وهذا مما نؤمن به نحن المسلمين ، ويؤمن به أيضاً اليهود والنصارى (لأنه موجود في التوراة وأسفار الأنبياء التي بين أيديهم اليوم) . وبَيّنَ عز وجل أن القتال لو لم يشرع لأنصار دينه من أهل الحق، لطمس الباطلُ الحقَّ، ولما أبقى أتباعُ الباطل من معالم دين الله من الكنائس والمعابد والمساجد شيئاً؛ فهم لو تركناهم ما تركونا!! و ما فترةُ عدم الإذن بالقتال عن المسلمين ببعيد، بما فيها من القتل والتعذيب!!! ثُمّ بيّنَ الله عز وجل الغرض من الإذن بالقتال للمؤمنين، وأنّه ليس لأي غرض دنيويّ ، بل هو لغرض ٍ واحد فقط، وهو إقامة دين الله على أرض الله وبين عباد الله عز وجل. ثم ختم الله تعالى الحديث عن هذا الموضوع ببيان أن مواجهة النبي صلى الله عليه وسلم بالتكذيب ومناصبته العداء ليس أمراً خاصاً به، بل هي عادةُ المعاندين المستكبرين من أقوام الأنبياء السابقين، وأن العاقبة كانت في كل مَرّة لأهل الحق، بعد إمهال أهل الباطل فترةً من الزمن ؛ لتقوم الحجة الكاملة عليهم، واستدراجاً لهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت