فهرس الكتاب

الصفحة 2856 من 3657

ومكث النبي صلى الله عليه وسلم في قُباء (على مشارف بيوت المدينة) أربع عشرة ليلة، أسَّسَ فيها أول مسجدٍ على وجه الأرض يُبْنَى في الإسلام.

ثم إنه صلى الله عليه وسلم دخل المدينة، ليبني فيها مسجدها وبيته بجواره. آمراً أصحابه ألا يتأنقوا في بناء المسجد والبيت، بل أن يكون عريشاً كعريش موسى (عليه السلام) . وقد كان صلى الله عليه وسلم يبني المسجد والبيت معهم بنفسه، وينقل لَبِناتِه ويضعها معهم بنفسه .

لقد تأسست دولة الإسلام (وهي دولة الحق) فعلاً في المدينة، وصُدِحَ بالأذانِ لأول مرة في التاريخ من مسجدها بعد بنائه؛ ليكون هذا الأذان إعلاناً لقيام دولة الدين الذي رضيه الله تعالى للعالمين، وجُعل الأذانُ لذلك مرتبطاً بأعظم شعائر هذا الدين بعد الشهادتين (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) ، ألا وهي الصلاة التي هي ثاني أركان دين الإسلام الخمسة، والتي هي: الشهادتان، والصلاة، والزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً.

وما إن استقرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وبدأ يدعو الناس إلى دين الله عز وجل، حتى أسلم عامة أهل المدينة، إلا فئتين منهم، وهما: المنافقون، والمستكبرون الحاسدون من أهل الكتاب (كاليهود) .

أمّا المنافقون، وهم الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، والذين إنمّا ظهروا لمّا أصبح للإسلام وأَهله شىءٌ من القوّة والمنعة: فقد كانوا (وما زالوا) من خلال تَخَفِّيهم الدنيءِ هذا في صفوف المسلمين، لا يألون جهداً في محاربة المسلمين بكل الوسائل، وهُمْ وإن كانوا قِلّةً من جهة العَدَد، لكن سُوءَ أثرهم على الأمة الإسلامية كان (وما زال) عظيماً؛ لأنهم كالداء الذي يَنْخُرُ في جسد الأُمّة من داخلها، ولأنهم جواسيسُ لأعدائها الخارجيين.

وأمّا اليهود الذين كان يقطن المدينه بعضٌ من قبائلهم، والذين عرفوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم من حين أن رَأَوْهُ، ولم يشكُّوا أنه هو الرسول الخاتم الذي بشَّرَ به الأنبياءُ من قبل ووُصف في كُتُب الله السابقة=فقد عاند أكثرهم، وحسدوا بني إسماعيل عليه السلام من العرب أن يكون خاتم الرسل منهم؛ فهم عند أنفسهم شعبُ الله المختار، وخير أمم الأرض قاطبة، وكل الناس عبيدٌ لهم !! وهُمْ بذلك متغافلون عمّا جاء في كتبهم من صفة النبي صلى الله عليه وسلم واسمه ونسبه، ومتغافلون أن هذا الاختيار حقٌ للخالق لا لهم، ومتغافلون أن اختيار الله تعالى للنبي الخاتم من أيّ جنس كان لا يُبيحُ لهم إلا الإيمان به واتّباع الدين الذي أُمر بتبليغه للناس كافّة، ومتغافلون (أخيراً) أنه لا علاقة بين جنس هذا الرسول الخاتم ورسالته العالميّة التي لا تُفرق بين أجناس الناس وبلدانهم وألوانهم ولغاتهم في شيءٍ من تعاليمها من أوامر الله تعالى ونواهيه وعبادته. لقد تغافلوا عن هذه الحقائق كلّها، بعد أن أعماهم الحقد والحسد، لما تَشَرَّبَتْهُ قلوبُهم من العنصريّة والتعالي على البشر جميعهم، فأصّروا على معاداة النبي صلى الله عليه وسلم ومحاربة دينه وأتباع الملّةِ التي بُعِث بها أشدَّ المعاداة والمحاربة؛ إلا العدد القليل منهم، ممن فتحوا أعينهم وقلوبهم لتلك الحقائق، وأنصفوا من أنفسهم، وأرادوا لها الخير في الدنيا والآخرة.

وهذا يعني أن إنشاءَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لنواة الدولة الإسلامية بالمدينة لم يُخفَّف شيئاً من عِبْءِِ دعوته صلى الله عليه وسلم، ولاهَوّنَ من عناء تبليغ دين الله تعالى الذي كان يعانيه بمكة. بل ما زال أعداؤه الأولون من مشركي مكة يحتالون بكل ما يستطيعون من مكرٍ وقوّة أن يُوقعوا به وبأتباعه وأن يُطفئوا نور الله الذي جاء به، ويُناصرهم في ذلك أعداؤه الجُدُد من المنافقين والحاسدين المعاندين من أهل الكتاب. وفي المقابل: فإن النبي صلى الله عليه وسلم ما زال حريصاً على هداية هؤلاء جميعاً وعلى نجاتهم من سخط الله تعالى وعذابه، سالكاً في سبيل تحقيق ذلك كُلّ ما يستطيعه من جُهْد ووقت، ومن رفقٍ ورحمة وحكمة، ومن علم واحتجاج ممّا علّمه ربُّه عز وجل وبيَّن له من الحجج والبراهين، مُؤيَّداً مع ذلك كلّه بالمعجزات والخوارق التي يراها ويسمعها الجميعُ مؤمنُهم وكافرُهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت