وفي أثناء الحصار الذي ضربه المشركون على النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه، ماتت زوجُه خديجة وعمُّه أبو طالب، وكانا من أكثر الناس مناصرةً للنبي صلى الله عليه وسلم، فزوجه خديجة كانت أول من آمن به، وتعينُه برأيها السديد ومالها، وعمُّه كان يدافع عنه بجاهه ومكانته في قريش حميّةً لابن أخيه. فتأثر النبي صلى الله عليه وسلم لموتهما، واشتدّ إيذاء المشركين له. فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على قبائل العرب التي تَرِدُ إلى مكة داعياً لهم إلى دين الله تعالى، عسى أن يجد فيهم من يؤازره منهم في الدعوة إلى الله وتبليغ شرعه. فلم يجد عند عامّة القبائل إلا الإعراض، بسبب الدعاية القويّة ضِدَّه التي كان قومُه من كفار مكّة يُذيعونها بين الناس والغرباء الواردين إلى مكة قبل لقائهم بالنبي صلى الله عليه وسلم.
ومكث النبيّ صلى الله عليه وسلم على ذلك أكثر من عشر سنين، لايجد في قبائل العرب من يناصره، حتى التقى في موسم للحج بوفد من الأوس والخزرج، وهما قبيلتان عربيتان من سكان المدينة النبويّة التي تبعد عن مكّة أكثر من أربع مئة كيلٍ شمالاً. فعرض النبي صلى الله عليه وسلم الإسلامَ عليهم، فأسلموا، وبايعوه على الدين الذي جاء به من الخالق سبحانه. وعادوا بعد موسم الحج إلى بلدهم المدينة، وبدؤوا هم أنفسهم بالدعوة إلى الدين الجديد الذي آمنوا به، فتابعهم بعضُ أهاليهم. ثم لمّا كان العام القابل، وجاء موسم الحج، التقى عددٌ آخر وأكبر من العدد الأول من الأوس والخزرج بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، ودعاهم إلى الإسلام، فآمنوا به، وبايعوه على المناصرة له وأن يمنعوه ممّا يمنعون منه أنفسهم وأزواجهم وأبناءهم.
ثم إنه أُذن للنبيّ صلى الله عليه وسلم من ربِّه عز وجل أن يأمر أصحابه بمكة، الذين بلغ بهم الإيذاء أشدّ ما يمكن أن يبلغه، في أن يُهاجروا إلى المدينة؛ فراراً بدينهم، ونشراً لتعاليم الإسلام بين من أسلم من أهلها في اللقائين السابقين بالنبي صلى الله عليه وسلم، ودعوةً إلى الإسلام بين من لم يُسلم منهم.
وهذه هي الهجرة الثالثة للمستضعفين من المسلمين بمكّة، حيث سبقتها هجرتان إلى الحبشة، وهذه كانت بعد هاتين الهجرتين، وكانت إلى المدينة لا إلى الحبشة.
لقد خرج المسلمون من مكّة، وهي وطنهم وأحبّ بقاع الأرض إليهم، تاركين وراءهم فيها بيوتهم وأموالهم وأهاليهم من الآباء والأمهات والأبناء والزوجات، تقديماً لإقامة دين الله تعالى على الأرض وزهداً في كل ما سواه من أمور الدنيا ومتاعها وملذّاتها. وقد وقع لهم في سبيل ذلك أسمى ما يُقَصُّ وأجلّ ما يُذكر عن استرخاص الدنيا كلّها؛ مقابل رضى ربهم ورجاء بلوغ جنته والنجاة من عذابه في الآخرة.
لقد هاجروا إلى المدينة مستخفين عن كفار مكّة، آحاداً وجماعات، حيث إن كفار مكّة كانوا يمنعونهم من ذلك أشدّ المنع، لما يعلمونه من أن ذلك سيكون بداية إنشاء دولة الحق في المدينة.
وبعد أن هاجر أكثر المسلمين من مكّة إلى المدينة، أُذن للنبي صلى الله عليه وسلم أن يهاجر هو أيضاً إليها، وذلك بعد أن كان قد أقام بمكّة بعد بعثْته ثلاثة عشر عاماً، يدعو الناس فيها إلى دين الله تعالى وتوحيده بالعبادة ومحاسن الأخلاق والأعمال.
وقد كان المشركون يخشون من هجرته، وقد حاولوا مَنْعَه منها بكل ما يستطيعون من المكر وتدبير المكايد ومحاولة القتل والسجن. لكنّ الله مكّنه من الخروج من مكّة، مصطحباً معه أحبّ أصحابه إليه: وهو أبو بكر الصِّدّيق رضي الله عنه. فخرج صلى الله عليه وسلم هو وصاحبه مستخفيَيْن من مكة، قاصدين المدينة، في حادثة تاريخية جليلة، مليئة بالعظات، ثريّةٍ بالمواقف الإيمانية التي تلين لها القلوب وتذرف منها العيون.
وقد واصل النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبُه أبو بكر طريقهما إلى المدينة، حتى بلغا مشارف بيوتها، وفي منطقة عند مدخلها يُقال لها قُباء، خرج له المسلمون: من المهاجرين، ومن الأوس والخزرج (الذين لُقِّبوا بالأنصار) ، فقد كانوا سمعوا بخروجه من مكّة، وكانوا يترقّبون وصوله في غاية الشوق إلى لقائه صلى الله عليه وسلم؛ فاحتفى به المسلمون من المهاجرين والأنصار أشدّ احتفاء، وفرحوا بَمقْدَمِه أعظم الفرح، وكان يوماً مشهوداً جليلاً، لا للمسلمين فَحَسْب، ولا للبشريّة كلّها وحدها، بل للحقّ وأهله من أهل السموات والأرض على مَرّ التاريخ، وإلى نهاية التاريخ في الدنيا، وإلى ما بعد ذلك في الحياة الأبديّة في الآخرة. ولذلك اتّخذ المسلمون هذا الحدث تاريخاً لهم ، وهو حَدَثُ هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكّة إلى المدينة.
وقد كان وُصُوله صلى الله عليه وسلم إلى قُباء يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلةً خلت من شهر ربيع الأول، في وقت الضُّحى، حين اشتدت الشمس وكادت تعتدل في كبد السماء. وهو يوافق يوم عشرين سبتمبر من سنة (622م) .