فهرس الكتاب

الصفحة 2854 من 3657

ولمّا رأى أولئك المعاندون أن أتباعه يزدادون، ولما خشوا من إقبال الناس على الدين الذي جاءهم به من خالقهم=أخذوا في صدِّ الناس عن هذا الدين بالكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، وبوَصْفه بأنه كذاب، أو ساحر، أو كاهن، أو شاعر. وأخذوا في إيقاع أشدّ أنواع الأذى بمن آمن به، فتفنّنوا في تعذيبهم بصنوف التعذيب المختلفة، وبالقتل. وبالغوا في القتل والتعذيب، حتّى اضُّطر بعضُ المسلمين، وبإذن من الرسول صلى الله عليه وسلم، أن يُهاجروا من بلدهم ووطنهم، بل أن يتركوا بلاد العرب كلّها إلى الحبشة، فراراً بدينهم، الذي أوذوا من أجله أشدّ الإيذاء.

بل بلغ من إيذاء المشركين أن فرضوا حصاراً على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أتباعه ومن يناصره من قراباته، لقد كان حصاراً اقتصاديّاً واجتماعيّاً، بألا يُشترى منهم شيء ولا يُباعوا شيئاً، وأن لا يُتزوَّجَ منهم ولا يُزَوَّجوا، وأن يُحْصَروا في أحد شعاب مكّة. ودام هذا الحصار ثلاث سنوات، أُوذي فيه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إيذاءً شديداً، حتى أكلوا أوراق الشجر والعظام البالية من شدّة الجوع.

ومع هذا الإيذاء الشديد من كفار مكة للنبي صلى الله عليه وسلم، ومع إيذائهم له أيضاً بالسبّ والافتراء عليه، والسخرية منه والاستهزاء به=فقد كان أشدّ أنواع الأذى وَقْعاً على نَفْسه، وأعظمها تأثيراً عليه، هو إصرارُ هؤلاء المعاندين على ضلالهم، مع ما يسمعونه من كلام الله تعالى المعجز ، ومع مايرونه من دلائل نبوّته صلى الله عليه وسلم. حتى وَصَفَ الله تعالى حاله في ذلك، بأنه يكاد يُهلك نفسه حرصاً على إيمانهم ونجاتهم من عذاب الله تعالى، فقال تعالى {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً} [الكهف:6] ، وقال تعالى {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِين} [الشعراء:3] . وبيّنَ له ربُّه عز وجل أن عدم إيمانهم به لم يكن لتقصيره صلى الله عليه وسلم في البلاغ، ولم يكن لنقصٍ في أدلّة نبوّته ؛ ولذلك فإن عدم إيمانهم لم يكن لأنهم يعتقدون كذبه حقيقة ، بل هم يعرفون صدقه ، ولكن العناد والاستكبار هو الذي يدعوهم إلى كل هذا الإصرار على الباطل. ثم يُذكّره ربُّه بأن هذه هي سُنَّة الله تعالى في الكون، وهي سنة الصراع بين الحق والباطل، وأن جميع الأنبياء والرسل قد قُوبلوا بمثل هذا التكذيب والإيذاء. فقال تعالى { قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ} [الأنعام:33-34] .

وقد حاول قومُه شتّى الأساليب أن يثنوه عن دعوته، بالأذى (كما سبق) ، وبالإغراء بالمال والرياسة والنساء وغيرها من ملذّات الدنيا، وبالجدل والمغالطات الكلامية، وبالمطالبة بالمعجزات والخوارق، والتي وقع بعضها كما طلبوه، لكنهم صاروا يطالبونه بالمزيد منها على وَجْه السخرية، كما أخبر الله عنهم في قوله تعالى وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً [الإسراء:90-93] ، فما زاده صلى الله عليه وسلم ذلك كله إلا صبراً على دعوته، وإصراراً على تمام تبليغها. مع رحمة هؤلاء الضُّلاّل، والعفو عن إساءتهم، رجاء أن يخالط الإيمان بشاشة قلوبهم، ولو بعد حين. مع أن الله سبحانه قد خيّره غير ما مَرّة أن يُنزل عليهم عذابه، فكان صلى الله عليه وسلم يختار إمهالهم رأفةً بهم وحرصاً على نجاتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت