وقد حفظه الله تعالى قبل بعثته من أدناس الجاهليّة، ومن عبادة الأصنام، التي عبدها قومُه بعد تبديلهم ملّة إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) ، اللذين كانا قد بلّغاها أجدادَ قومه صلى الله عليه وسلم، وهي ملّة (كباقي الملل الإلهيّة) قائمةٌ على توحيد الله تعالى. ولكن هذه الملّة التوحيديّة قد بُدّلت وغُيّرت، كما وقع للأديان الإلهية الأخرى جميعاً، مثل اليهوديّة والنصرانيّة، التي بُدّلت أيضاً، وحُرّفت كتب أنبيائها. فأظلمت الأرض لذلك بالشرك، وبأصناف الظلم والضلالات والفواحش.
وبعد أن أتمّ محمد صلى الله عليه وسلم أربعين عاماً (أي سنة610م) ، ازدادَ تَهْيِيءُ ربِّه له لاستقبال وَحْيه إليه، ولتحمُّل أعباء الرسالةِ العُظْمى الرسالة الخاتمة. ومن ذلك أنه كان قد حُبّبَ إليه الانعزال في إحدى المغارات البعيدة عن بيوت مكّة، وهو غار حراء، ليتعبّدَ فيه خالقه الواحد الأحد سبحانه وتعالى.
وفي إحدى الليالي من شهر رمضان من السنة المذكورة، وبينما كان يتعبّد كعادته في غار حراء ، فاجأه المَلَك جبريل (عليه السلام) بالنبوّة من الله عز وجل، كما نُبّئ غَيرُهُ من الرسل قَبْلَه. ولَقّنه جبريل (عليه السلام) حينها بضع آيات من كلام الله تعالى، فكانت أوّل ما يطرق سَمْعَه وسَمْع الدنيا من كلام الله تعالى، المسمى بالقرآن الكريم.
لقد كانت هذه الكلمات التي هي أول كلمات تتصل من السماء بالأرض، بعد رَفْع عيسى (عليه السلام) ، وهي قوله تعالى { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } [ العلق:1-5] .
وبذلك يُعلن هذا الدين من ساعة مولده ، ومن أُولى لحظات وجوده: أنه دينُ العلم والثقافة والحضارة؛ حيث كانت أُولى كلماته (اقرأ) ، وكان في أُولى آياته ذِكْرُ (القلم) ، الذي هو أداة الكتابة. والقراءة والكتابة هما وسيلتا التعلّم والتعليم والبحث والاكتشاف والحضارة والتقدّم.
لقد أفزع هذا الحادثُ الجلَلُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، حتى طَمْأَنتْهُ زوجُه خديجةُ لمّا رجع إليها، لِمَا عرفته عنه من كريم الصفات وشريف السجايا، التي لا يُمكن معها أن لا يحوطه خالقُه عز وجل بالحفظ والعناية. ثم طَمْأنه أيضاً ورقةُ بن نوفل، وهو رجل من قومه، كان على علمٍ بالأديان الإلهية السابقة، وما فيها من البشارة بالنبي صلى الله عليه وسلم.
ثم إن الوحي استمرّ في النزول عليه بآيات أخرى من القرآن الكريم، وأُمر فيها بتبليغ دين الله تعالى، وأن يصبر على أذى الناس في سبيل ذلك. فَأْتمر لأمر ربِّه، وابتدأ بالدعوة سِرّاً. فكان أسرعُ الناس إيماناً به أعرفَهم به، لما علموه فيه من الصدقّ والأمانة ورجاحة العقل وعظيم البركة. وكان من هؤلاء المؤمنين الأوائل: زوجه خديجة بنت خويلد، وصديقه أبو بكر، وابن عمِّه علي بن أبي طالب.
ثم إنه - صلى الله عليه وسلم - صدع بالدعوة، وأعلنها صريحةً على رؤوس الأشهاد. وأخذ يذهب إلى مجالس الناس ونواديهم ومجامعهم وأسواقهم، يدعوهم إلى دين الله تعالى، ويقرأ عليهم كلامه سبحانه (القرآن الكريم) ، آمراً لهم بما في القرآن الكريم، من الإيمان بالله إلهاً وحدًا لا شريك له، وإفراده عز وجل بالعبادة، مُبيّناً لهم فساد الشرك الذي هم فيه، وبطلانَ عقائد مَنِ ادّعى مع الله أنداداً كالأبناء والشُّفعاء المعبودين مع الله ظلماً وضلالاً. كما كان يأمرهم بمحاسن الأخلاق جميعها، وينهاهم عن مساوئ الأخلاق جميعها.
فكان يأمرهم: بالصدق، والإحسان، والعدل، والرحمة، والعفو عن الإساءة، والأمانة، والوفاء بالوعد، والعِفّة، والحياء، والكرم، والإيثار، وبرّ الوالدين، وصلة الأرحام، ونُصْرة المظلوم، وإعانة الضعفاء، والتصدّق على الفقراء والمحتاجين .. وغير ذلك من محاسن الأخلاق والأعمال، وكان ينهاهم عن أضدادها من مساوئ الأخلاق والأعمال.
ومع أن المصدّقين له صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به كانوا يزدادون يوماً بعد يوم، إلا أن المعاندين المستكبرين كانوا أيضاً يزدادون عناداً واستكباراً وإصراراً على كفرهم وضلالهم. ولم يكتفوا بذلك، بل قاموا بمعارضة دعوته صلى الله عليه وسلم، أشدَّ المعارضة، وحاربوها بكل ما أُوتوه من قوّة ومكر وخُبْث.