فهرس الكتاب

الصفحة 2852 من 3657

وحقٌ على البشر كُلِّهم، ممن بلغه هذا الخطاب، سواءً اتّخذَ أحدُهم فيه قراراً أو مازال في مجال اتّخاذ القرار=حقٌّ عليهم لأبناء جنسهم من البشر كُلِّهم أن لا يستأثروا بهذا الخطاب وحدهم، بل عليهم أن يُبلّغوه جميعَ البشر، وان يَسْعَوا في ذلك قَدْر وُسْعِهم؛ حيث إنّ لغيرهم من العقلاء حقَّ اتّخاذِ قراره بنفسه، وأن يحدّد مصيره بمحض إرادته، لا أن يكون تبعاً لغيره مُعيراً عَقْلَه وتفكيره للآخرين، خاصةً أنه قرار المستقبل والمصير، وأنه قرار القرارات كلها!!!

وإننا إذ ندعو إلى تدبُّر خطابنا هذا، ونحثُّ الناس جميعاً على التفكير العميق في مضامينه، وعلى البحث والقراءة والسؤال والدراسة الجادة الجاهدة بشأنه، من أجل الوصول إلى القرار الصحيح فيه=نكون قد أعلنّاها صريحةً واضحةً: بأن الحقّ المطلق هو ما تضمّنه هذا الخطاب، من الأمر باتباع دين الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند ربّه الواحد الأحد سبحانه؛ حيث إن الذي يأمر بالقراءة والبحث والدراسة لاتّخاذ قرارٍ عن اقتناع خاصّ وفي حُرّيةٍ كاملة، ويبلغ به التحدِّي لمن يخالفه هذا الحدَّ من التحدِّي، بل يصل به إلى تحدّي الثقلين جميعاً=لا يكون عاقلاً إلا وهو صاحب الحق المحض والصواب الخالص.

ولقد كان بإمكاننا أن نُجامل، وأن نتلطّف في العبارة، وأن نعرضَ خطابنا هذا على أنه خيارٌ من ضمن خيارات متعدّدة يحق للناس أن ينظروا فيها، ليتخيّروا منها ما شاؤوا. كان يمكننا أن نفعل ذلك، ونحن نعرف أن هذا هو الأليق، لكن في غير هذا الخطاب!! لأننا إنّما نبلّغُ دينَ الخالق سبحانه، وَفق أمر الله تعالى لنا بذلك. ولا نُبلِّغُ أفكارنا أو تصوُّراتنا التي ابتدعتها عقولنا أو حضارتنا، لكي يحق لنا حينها أن نعرضها بالأسلوب الذي نختاره أو الذي يختاره المخاطَبون.

لقد جاء هذا الخطاب قياماً ببعض الواجب علينا من ربَّنا في تبليغ دين الله تعالى، وقياماً ببعض حقّ رسولنا ورسول الثقلين كافّة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، الذي بلّغَ دينَ الله أحسن بلاغ وأتمَّه وأكمله، وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين، وقياماً بحقّ البشريّة علينا (كما سبق) ، لكي تتحمل مسؤوليّة نَفْسها أمام خالقها، ولكي تختار لنفسها: إمّا رضى ربِّها وثوابَه أو غضَبَه وعقابَه، وسعادتَها الأبديّة أو شقاءها الأبدي.

ولذلك فقد كان لِزاماً علينا، قياماً بتلك الحقوق: لربّنا عز وجل، ثم لرسولنا صلى الله عليه وسلم، ثم للبشريّه جمعاء: أن نُعرّف البشريّة، بل الثقلين، بخاتم الأنبياء، الذي بُعث بآخر الأديان؛ حيث إنّ من آمن به رسولاً آمن بالدين الذي جاء به ديناً، ومن عاند وجحد رسالته كفر بالدين الذي جاء به من عند ربّه عز وجل، والذي لا يقبل الله تعالى من الثقلين ديناً سواه، والذي به يصلح شأنهم في الدارَين، ولن يصلح إلا به.

فمن هو خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم؟

هو عبدالله ورسوله: محمد بن عبدالله بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، اختاره الله تعالى من أفضل بيوت العرب وأعزّها وأشرفها، لما يتميّزون به من كرم النسب (فهم رأس المنتسبين إلى الرسولين الكريمين إبراهيم وابنه إسماعيل(عليهما السلام ) ) ، ولما عُرِفوا به من كريم الصفات في رجاحة العقول وحُسْن الأخلاق.

لقد وُلد محمد صلى الله عليه وسلم بمكّة، في يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، في العام الذي أهلك اللهُ تعالى فيه جيشَ الحبشة الذي كان عازماً على هدم الكعبة المشرّفة، فأهلكه الله تعالى على مشارف مكّة، قبل أن يحقق ما خرج لأجله من أرض اليمن. وكان ذلك العام هو عام (570م) .

لقد وُلد صلى الله عليه وسلم يتيماً، حيث إن أباه كان قد تُوفّي وهو حَمَلٌ فكفله جدّه عبد المطلب، الذي كان سيدّ العرب.

ثم إن أُمَّه آمنة بنت وهب توفِّيت أيضاً، وله من العمر ستّ سنين. وبعدها بقليل توفي جدّه أيضاً، ليكفله عمُّه أبو طالب، الذي كان عطوفاً على ابن أخيه شديدَ المحبّة له.

فنشأ في كنف عَمّه أبي طالب، ورعى الغنم صغيراً، ثم عمل لمّا شبَّ مع عمِّه في التجارة.

وكانت قد ظهرت له من حين مولده إلى حين بلوغه سنَّ الرجولة دلائلُ كثيرةٌ تدلّ على عناية ربّه عز وجل به، وعلى حياطته له وحِفْظه وتأديبه.

واشتُهر بين قبيلته (قريش) وغيرها بمكانةٍ سامية، وعرفوه بعظيم بركته، وجميل صفاته، ومحاسن أخلاقه: من الصدق، والأمانة، والعَدْل، وكمال الرجولة، وسداد الرأي، ورجاحة العقل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت