ولذلك فإن الإيمان بالرسول السابق وبجميع الرسل السابقين لا يُغني شيئاً بعد إرسال رسولٍ جديد، ولابُدّ لمن أدرك الرسول الأخير أن يؤمن به وأن يدين بالدين الذي جاء به، ولن ينفعه شيئاً إيمانُه بمن سبقه من الرسل واتّباعُه الدين السابق؛ لأن كل شريعةٍ جديدة من الله تعالى إنمّا شرعها لتنسخ ما سبقها، ولأن تكذيب آخر رسول تكذيبٌ للدين الذين يلزم من أدركه الإيمان به واتّباع أحكامه. ولذلك فإن من لم يؤمن بموسى ممن أدركه من بني إسرائيل سيكونون كفاراً لا يستحقون النجاة من عقاب الله تعالى، ومن لم يؤمن بعيسى من اليهود سيكونون كفاراً لا يستحقون النجاة من عقاب الله تعالى، ومن لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى وجميع أمم الأرض سيكونون كفاراً لا يستحقون النجاة من عقاب الله تعالى.
ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم خاتمَ الأنبياء ودينُ الإسلام آخرَ الأديان لزم الثقلين أن يؤمنوا بهما، وأن يرضوا بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، و بمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً ونبيّاً. ولذلك فقد أخذَ الله العهد على جميع أنبيائه ورسله أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم لو أدركوه ، فكيف بأتباعهم؟! يقول الله تعالى {وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 81] ، وقال صلى الله عليه وسلم: (( أنا حَظُّكم من الأنبياء وأنتم حظَّي من الأمم ) )، وقال صلى الله عليه وسلم: (( والذي نفس محمد بيده، لا يَسْمَعُ بي من هذه الأُمّه يهوديٌّ ولا نصرانيّ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرْسِلْتُ به؛ إلا كان من أصحاب النار ) ). ولذلك (أيضاً) لن يقبل الله تعالى من الناس ديناً غير دين الإسلام بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، كما
قال تعالى { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران:85] . ولذلك (أخيراً) كان القرآن الكريم ناسخاً لجميع الكتب السابقة، حتى لو لم تُحرّف وتُبدَّل، كما قال تعالى { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } [المائدة:48] .
وهذا كُلُّه هو الذي أَلْزَمَنا بتوجيه هذا الخطاب إلى الثقلين، وأوجبَ علينا القيامَ بهذه الَمهَمّة العظمى والدعوة الكبرى والنداء الأشمل والبلاغ العامّ إلى الجنّة والناس أجمعين.
ولذلك أيضاً فإن مثل هذا الخطاب لا يحق لأحدٍ أن يوجِّهه إلى البشريَّة (كما ذكرنا في فاتحة هذا الخطاب) ، إلا أمّة الإسلام، ممن آمنوا بخاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم؛ فهُم وحدهم المبلّغون عن الله تعالى دينَه الذي أتمَّه وأكمله ورضيه للناس { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} [المائدة: 30] .
وسيجب القيام بمَهمة توجيه هذا الخطاب، وسيلزم القيام بدعوته الكبرى، وسَيُخْتَصُّ بذلك دون مَنْ سواه ممّن يخالفُه=كلّ من دخل في هذا الدين من جميع أمم الأرض، في أيّ زمان ومكان؛ لأنّ هذا الدين دين الله الخالق سبحانه، لا علاقة له بأيّ انتماءٍ بشريّ (كما تقدم) .
وحقٌّ على البشر كلِّهم أن يسمعوا هذا الخطاب، وأن لا يُعرضوا عنه. بل يجب عليهم فَهْمُه بدقّة، والتمعُّنُ فيه، والبحثُ عمّا يتعلقُ به، وبَذْلُ غايِة الجهد وطويلْ ِ الأوقات في ذلك؛ حيث إِن القرار الذي سيتّخذه من بلغه هذا الخطاب بعد سماعه هو أعظم قرارٍ على الإطلاق، بل هو - في الفرق الشاسع بينه وبين جميع القرارات سواه- في الحقيقة ينفرد بكونه القرار الوحيد!!!
إنه القرار الذي سيحدّدُ به الإنسان مصيره، وسيرسم فيه خُطا مستقبله: إمّا سعادة الدنيا والآخرة، أو شقاوة الدنيا والآخرة!!!
وحقٌّ للبشر كلَّهم أن لا يسمحوا لأحدٍ، كائناً من كان، أن يمنعهم من سماع هذا الخطاب، أو أن يحول بينهم وبين فهمه ودراسته؛ لأنه بذلك يخونهم أعظم خيانة، ويرتكب في حقهم أقبح جُرْم، ويتعدى عليهم أشنع اعتداء=إذ إنه بذلك سيكون سبباً في اتخاذهم قراراً خاطئاً، في قرار هُمْ أحوج أن يصيبوا فيه من أي قرارٍ آخر!!!