ومع أن الله تعالى قد أرسل الرسل بدينه، الذي هو هُداه ونوره للبشريّة، وأيّدهم بما يدل على صِدْقهم، إعذاراً إلى البشر وإقامةً للحجّة عليهم=إلا أن من الناس من أعرض عن هداية ربِّه، وعاند وأبى إلا اتّباع الشيطان، وأصرَّ إلا أن يُقيم دولةَ الباطل، وأن يعادي ويحارب أتباع دين الله تعالى، وأن يصرف الناس عن اتّباع الأنبياء والرسل ... إلى غير ذلك من أنواع الضلالات الكثيرة. فهل يُمكن أن يدع الله تعالى هؤلاء المعاندين لدينه، المقاتلين لأنبيائه وأوليائه، الظالمين لأنفسهم ولغيرهم، دون حساب وجزاء؟!!! أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [ القلم: 35-36] ، وقال تعالى أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَوَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [الجاثية:21-22] .
لقد اقتضت حكمةُ الخالق وعدله سبحانه أن تكون هناك نهاية لهذه الحياة الدنيا ولهذا الوجود الأول، ليعقبه وجودٌ ثانٍ وحياةٌ أخرى، تكون داراً للحساب والجزاء ، ليُثاب المحسن الذي التزمَ دينَ الله تعالى بالإحسان، ويُعاقبَ المسيء الذي خالف دينَ الله تعالى بالإساءة.
وهذا يعني أنه لا بُدّ للدنيا من نهاية، وهذا مما لا يشك فيه عاقل. وما دامَ أنَّ هناك رسلاً وأدياناً أُرسلوا لأهل هذه الدنيا الفانية، فلابُدّ أن يكون منهم رسولٌ هو آخرَهم وسيكون الدين الذي بُعث به هو آخرَ الأديان قبل فناء الدنيا. وعليه فإن مبدأ وجودِ رسولٍ خاتمٍ ودينٍ أخير مبدأٌ يدلّ عليه العقل، و لا غرابة فيه. بل الأمر المستنكر المرفوض عقلاً تصوّرُ وجود رُسُلٍ وأديان بلا نهاية ، في عالمٍ فانٍ مُنْتهٍ!!!
ولقد كان اختيار الخالق سبحانه لخاتمِ رُسُله هو أن يكون محمداً صلى الله عليه وسلم ، وأن يكون دينه الذي أُمر بتبليغه ( وهو الإسلام ) هو آخر الأديان: قال الله تعالى مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً [ الأحزاب: 40] ، وقال صلى الله عليه وسلم (( مثلي ومثل الأنبياء قبلي: كمثل رجلٍ بنى داراً فأتمَّها وأكملها، إلا موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها ويتعجّبون منها، ويقولون: لولا موضع اللبنة(قال صلى الله عليه وسلم) : فأنا موضع اللبنة، جئتُ فختمت الأنبياء )). وقال صلى الله عليه وسلم (( أُرسلتُ إلى الخلق كافّة ، وخُتِم بي النبيّون ) ).
ولذلك فإننا - نحن المسلمين- وإن كُنّا نؤمن أن جميع الأديان التي بُعث بها الرسل حَقٌّ من عند الله، وأنها تتفق في الأصول، كالدعوة إلى توحيد الله تعالى: بأنه سبحانه هو وحده الخالق المالك القادر على كل شيء، المدبِّرُ لهذا الكون، وأنه لا يحصل في الكون شيءٌ ( صَغُر أو كَبُر) إلا بعلمه و إذنه وأمره وحدَه سُبحانه. وأنه هو تعالى وحده المستحق للعبادة، فلا معبود بحق إلا الله وحده لا شريك له. وأنه عز وجل وحده صاحب الكمال المطلق في أسمائه وصفاته { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } [ الشورى: 11] .
ومن جملة الأصول التي تتفق عليها الأديان: الأمر بمحاسن الأخلاق، والنهي عن الفواحش، قال الله تعالى {قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء } [ الأعراف: 28] ، وقال تعالى إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ النحل:90 ] .
وهذا كُلّه هو أساس جميع الشرائع الإلهيّة، التي بُعث بها رُسل الله.
وإنّما تعدّد الرسل وتعدّدت الشرائع السابقة؛ لأن أتباع الأنبياء السابقين كُلّما مات فيهم رسول سُرعان ما تأتي أجيالٌ بعده تزيغُ عن شرعه، وتخالف الدين الذي بُعث به، وتحرّفُ كتاب الله الذي أُنزل عليه، حتى ربّما خالفت الأصل الذي بُعث به الأنبياء، وهو التوحيد ، فادّعوا لله تعالى الأبناء والأنداد والشركاء والشفعاء، وعبدوهم مع الله، أو عبدوهم من دون الله تعالى. فإذا فعل الأتباعُ ذلك أرسل اللهُ رسولاً ليعيدهم إلى شرعه، مجدِّداً ما خفي عليهم من معالم دينهم، ومصحِّحاً ما حرّفوه من كتاب ربِّهم. وهذا ما فعله موسى (عليه السلام) بعد يعقوب ويوسف (عليهما السلام) ، وهذا ما فعله عيسى (عليه السلام) بعد موسى (عليه السلام) ، وهذا مافعله (أخيراً) محمدٌ صلى الله عليه وسلم بعد موسى وعيسى وجميع أنبياءِ الله تعالى ورسله (عليهم وعلى نبيّنا أفضل الصلاة وأتم التسليم) .