وكما أرسل الله تعالى إلى البشر رُسلاً منهم لتبليغ دينه إلى الأُمم السابقة، مثل نوح (عليه السلام) ، وإبراهيم (عليه السلام) ، وموسى (عليه السلام) ، وعيسى بن مريم (عليه السلام) = فقد أرسل الله تعالى إلى البشريّة محمداً (صلى الله عليه وسلم وعلى جميع أنبياء الله ورسله) . فليست بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، أمراً جديداً على البشرَية، كما قال تعالى { قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنْ الرُّسُلِ } [ الأحقاف:9] . فقد أرسل الله تعالى قبله رسلاً كثيرين، كما قال تعالى { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً } [النساء:163-165] .
إذن فإنكار رسالة النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم لمجرّد أنه رسول الله، لا يُقبل من أحد؛ لأنه إن كان هذا المُنْكِرُ ممّن يؤمن برسولٍ قبل النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو قد أقرَّ بذلك عقيدةَ إرسالِ الرُّسُل، فلمَ يُنكر رسالة النبي صلى الله عليه وسلم؟! وإن كان هذا المُنْكِرُ ممن لا يؤمن برسول، فيلزمه أن ينكر وجود الخالق، وأن ينكر وجوده هو نفسه؛ للترابط بين هذه الحقائق الكبرى (كما سبق) . وليس في الناس اليوم إلا أحد هذين الفريقين، فيلزم الناس كلّهم اليوم عدم إنكار نبّوة محمد صلى الله عليه وسلم، إذا كان إنكارهم لها مبنيّاً على مجرّد إنكار وَصْفِه بالرسالة.
وأمّا إن كان إنكار رسالة النبيّ صلى الله عليه وسلم لدعوى أنه لم يقم دليلٌ على صدق نبوّته، فهذا إمّا ناشئٌ من هذا المدّعي عن جَهْلِ وتقصير بالغ في البحث عن الحقيقة، أو ناشىءٌ عن عنادٍ واستكبار وإعراض عن الحقيقة الواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار. وسنذكر - نحن- هنا في هذا الخطاب بعضَ دلائل نبوّته باختصار، تاركين مَهمّة البحث والتقصِّي للمنصفين الباحثين عن الحقيقة الكبرى، التي بها يسعدون في دنياهم وأُخراهم، وبالإعراض عنها يشقون في دنياهم وأخراهم. وقبل أن نذكر هذه الدلائل، فإنا نسأل أتباع الرسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم (كاليهود والنصارى) : ماذا لديكم من أدلّة صدق نبوّة موسى وعيسى عليهما السلام؟ فإنهم لن يذكروا دليلاً إلا ولدينا - نحن المسلمين - من جنسه ما هو أعظم دلالةً وأوضح برهاناً على صدق نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم . بل الأغرب من ذلك: أننا أقدر على إثبات نبوّة موسى وعيسى (عليهما السلام) من أتباعهما، ولدينا من أدلّة صدق نبوّتهما (عليهما السلام) ما ليس عند أتباعهما !!! لكن تَميَّزَ نبيُّنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم بخلود بعض معجزاته، وعلى رأسها القرآن الكريم، كما يأتي بيانه.
وسنذكر دلائل من دلائل نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم باختصار، إذ هناك كتبٌ ومراجعُ فصّلتها وبيّنتها، وعلى الباحث عن سعادته في الدنيا والآخرة أن يبحث عنها ويدرسها. مع أنّ فيما سنذكره في آخر هذا الخطاب كفايةً (على وجازته) لمن أنصف وتخلى عن مألوفاته السابقة الراسخة في نفسه بغير دليل، ولم يستكبر في الاعتراف بالخطأ ولو كان خطأً كبيراً !!
إن هذة الدلائل المثبتة لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم هي آخر المطاف وآخر النتائج وآخر الحقائق الكبرى التي أردنا إعلانها للثقلين، وهي أن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله ، بعثه الله بدين الإسلام، وأنزل عليه كلامه تعالى وهو القرآن الكريم. كما أرسل الرسل من قبله ، وبعثهم إلى أقوامهم بدينه سبحانه، وأنزل عليهم كتباً: التوراة إلى موسى (عليه السلام) ، والإنجيل إلى عيسى (عليه السلام) .
إنّ إرسال الرسل حقيقةٌ تقرُّها العقول الصحيحة (كما سبق) ، ويؤمن بها أكثر أهل الأرض. وإرسال الرسل إنما كان لتبليغ دين الله تعالى، ودين الله تعالى هو حُكْمُهُ ونظامُه الذي أرشد إليه خَلْقَه لتحقيق سعادتهم، التي لا تتحقق إلا من خلال التزام دين الله تعالى، وهذه هي عبادة الله، التي خلق الله الخَلْقَ لأجلها. فعبادة الخالق لا ينتفع بها الخالق، وإنما ينتفع بها المخلوق، بل هي إنما شُرعت لتحقيق غايةِ النفع له.