فهرس الكتاب

الصفحة 2848 من 3657

إنها حقيقةٌ محضة، يجب أن يقرّ بها كل العقلاء: وهي أن الدين الذي يُلزمُ الخالقُ المخلوقين به، والذي يُنظِّمُ لهم فيه ربُّهم جميعَ شؤون حياتهم، من علاقتهم به سبحانه، وعلاقتهم بالمخلوقين أمثالهم، على اختلاف أجناسهم وأحوالهم، ويبيّنُ لهم فيه طريقَ سعادتهم في الدنيا والآخرة=أنه سيكون حقاً الوسيلة الوحيدة الحقّة لبلوغ تلك السعادة، وأن البشريّة لن تجد وسيلةً لبلوغها إلا هذه الوسيلة، وأنه لا يحق لها أصلاً ولا يجوز أن ترفض هذا الدين والنظام الإلهي لخالقها سبحانه.

إنّ وجود الخالق حقيقةٌ لا يشك فيها عاقلٌ، بل هي أعظمُ حقيقةٍ في الوجود على الإطلاق. ولا يشك عاقلٌ أيضاً أن من أنكر هذه الحقيقة بلسانه من البشر، أنه قد اعترف بها قلبُه ، بل قد أعلنها هو بوجوده، وأعلنها معه الوجود كلُّه من حوله. ولهذا سقطت الشيوعيّة، مع أنها سقطت من يوم أن وُلدت؛ لأنها صادمت أعظم حقائق الوجود، وهي أن الوجود يدل على أنه لا بُدّ له من خالق عليمٍ حكيم عظيم قادر.

وهذا الخالق العظيم سبحانه، الذي دلّت مخلوقاته على عظمته وعلمه وحكمته، بما أوجده من هذه الأفلاك العظيمة، وما فيها من النظام الدقيق المتناهي الدقّة، وما أوجده على وَجْه الأرض من الأحياء المختلفة في البر والبحر، والنباتات، والجمادات، وما بينها من التناسق، وما فيها من عجيب الصنعة ولطيف التدبير، وغير ذلك مما لا زال البشر يبحثون عن أسراره، ويسعون إلى اكتشافه=لا يُمكن أن يكون قد خلق الخَلْق عبثاً بغير حكمة، ولا أن يكون قد خصَّ الثقلين بالعقل من سائر مخلوقاته على وجه الأرض دون سبب ؛ لأن هذا العمل يعارضُ حكمته وعلمه وعظمته سبحانه التي دلّت عليها مخلوقاته (كما سبق) ؛ ولذلك يقول تعالى { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ } [المؤمنون:115] .

إذن فلا بُدَّ أن تكون هناك غاية من خَلْق الخَلْق، ولا بُدَّ أن يكون هناك غاية من خلق البشر الذين نحن منهم، خاصةً أنّهم قد مُيّزوا بنعمة العقل والتفكير، التي استطاعوا من خلالها (وهي هبةٌ من الخالق لهم) أن يُسخِّروا كثيراً من المخلوقات وأنظمةِ الكون من حولهم لتحقيق كثيرٍ من المنافع الدنيويّة لهم .

ثم هل يحق للبشر أن يحدّدوا غاية إيجادهم والسبب في تخصيصهم بنعمة العقل؟! بل هل يمكنهم أصلاً أن يعرفوا هذه الغاية ؟! لا شك أنهم أعجز من ذلك، وأن هذا هو حقُّ خالقهم وحده، ولا يحق لأحدٍ أن يدّعي له شيئاً من الحق فيه غيره سبحانه وتعالى؛ لأن المخلوق لا يعلم ما في نفس المخلوق، فأنَّى له أن يعرف ما في نفس الخالق؟!!

ولذلك فإن تَرْكَ البشريّة دون بيان الغاية من خَلْقهم يُعارضُ حكمةَ الخالق وعظمته وعلمه، ويُعارضُ عَدْلَه أيضاً؛ إذ فيه تكليف بما لا يدخل تحت قدرتهم. ويعارِضُ رحمته سبحانه بعباده، وهو الذي وسعت رحمته كل شيء، بأن يتركهم هملاً بغير نظامٍ يُبيِّن لهم فيه أسباب سعادتهم ، التي خلقهم من أجلها.

ولذلك أرسل الله تعالى الرسل عليهم السلام، لبيان دينه، الذي هو نظام البشرية، الذي به يَصْلُح أمر الدنيا والآخرة ، وبه يعرف الإنسان الغايةَ من خَلْقه ، ويعرف طريق الوصول إلى تحقيق هذه الغاية. إذ بغير إرسال الرسل لن يكون بإمكان البشر أن يعرفوا غاية خلقهم ولا بطريق بلوغها، وبذلك لا يُمكن أن يُثاب من حقّق تلك الغاية وأن يُعاقب من لم يحقّقها، كما قال تعالى { رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} [النساء:165] ، وقال تعالى { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً } [الإسراء:15] .

وبذلك يتّضح أن إرسال الرسل هي الحقيقة الثانية الكبرى، التي ألزمتْ بالإيمان بها الحقيقةُ الأولى، التي هي وجود الخالق سبحانه. فوجود الخالق يدلّ على وجوب الإيمان بإرسال الرسل، وهذا ما لا يصحّ من عاقلٍ أن يُكابر في إنكاره.

والرسل إنما جاؤوا لتبليغ دين الله تعالى، وسبق أن ذكرنا أن دين الخالق وحده هو الذي يضمن للبشريّة السعادة الدنيوية والأخرويّة، ولذلك فإنه يلزم أن تتّبعه البشرية. وهذه حقيقةٌ ثالثةٌ كبرى، سبق إثباتها شرعاً وعقلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت