فهرس الكتاب

الصفحة 2342 من 3657

أما القرآن المتلو في هذه الساحات فما ينتفع به قائل ولا سامع؛ إنه ضرب من غناء مملول النغم يتصنع له بعض السامعين من الإقبال ريثما يفرغ منه، وكذلك الوعظ في دروس الوعظ والإرشاد التي تنظمها بعض المؤسسات الدينية لا تكاد تظفر بفائدة هما يراد نشره بين الجماهير المحتشدة في هذه الموالد.

تلك محاولات عابثة وإهدار لقيمة الذكر الحكيم والحديث الشريف.

ولو افترضنا وجود بعض الخير بين الأعمال التي تمارس في المولد فإنها لا تسوِّغ إقامة الموالد بعدما أضحت الشرور المتيقنة التي تكتنفها أكثر بكثير من تلك الفوائد المظنونة؛ وقانون الشريعة في هذا: أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح (5) .

وثالث الفئات المحتفلة بالمولد هم عامة الناس: الذين كانوا يمثلون زخماً قوياً لاحتفالات الصوفية حتى وقت قريب، لكن الإقبال قل كثيراً نتيجة عدد من العوامل منها:

1 -الأثر الذي أحدثته الصحوة الإسلامية المباركة وتمثل في توعية الناس؛ فلا شك أن ذلك كان له أثر كبير في محاربة البدع.

2 -ارتفاع نسبة التعليم والتثقيف الذي أدى إلى سقوط كثير من الأوهام والخرافات.

3 -الهجوم العلماني وما يشيعه من سلوكيات مادية - ولا يخفى أن منطلق هجومه عقلاني وليس شرعياً - فهو يحارب الدين بصورة فجة ثم يرفع شعاراً مشوهاً للدين تمثله الموالد ونحوها من أجل إسقاط سلطانه كلياً، ولا شك أنه قد اجتذب قطاعاً من المجتمع لا يستهان به.

4 -كثرة وسائل الترفيه من وسائل إعلام وغيرها مما اجتذب الفئة التي كانت تحتفل بالمولد من أجل الترفيه والترويح؛ فقد وجدت ما يغنيها ويزيد في هذه الوسائل، ومع هذا فيبقى احتفال قطاع عريض من العامة بالمولد محصوراً في شراء حلوى المولد ومشاهدة الاحتفالات في التلفاز، وإن كانت الاحتفالات لا تزال بالمدن التي فيها الأضرحة الكبرى كطنطا ودسوق وقنا وأسيوط.

ورابع هذه الفئات: هي بعض الاتجاهات الإسلامية (6) التي تحتفل بالمولد بإقامة الأمسيات الدينية التي تذكِّر بهديه -صلى الله عليه وسلم-. ولو لم يكن في ذلك غير موافقة المبتدعة أو إثبات شبهة سنية الاحتفال أو شرعيته لدى العوام لكفى بها ضرراً؛ فكيف إذا انضاف إلى ذلك قصرهم للخطب في ذلك اليوم على مولد الرسول -صلى الله عليه وسلم- مما يدعو إلى تعظيم ذلك اليوم على وجه التقرب. والغريب أن بعضهم يقيس ذلك الاحتفال على احتفال النصارى بعيد الميلاد أو احتفال القوميين برموزهم السياسية ويقولون: النبي -صلى الله عليه وسلم- أولى بالتعظيم. إن من الظلم مساواة النبي -صلى الله عليه وسلم- بهؤلاء، أو الاحتجاج على شرعية ذلك بصنيع هؤلاء وقد أُمِرنا بمخالفتهم.

البعد الاعتقادي للاحتفال بالمولد:

يعتقد قطاع عريض من المتصوفة أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد خُلِقَ من نور (أي أزلي) ويسمون ذلك بـ (الحقيقة المحمدية) التي سبقت خلق آدم ثم حلت فيه حين خلق، وما زالت تنتقل من آدم إلى من بعده من الأنبياء حتى بلغت شخصه -صلى الله عليه وسلم-، وهي التي يستمد منها جميع الأولياء - عندهم - علمهم وقوتهم وتصرفهم، أو هي التي تنتقل بما يعرف عندهم بـ (القطب الغوث) ، وهذا الكلام تلفيق بين اليونانية وفق نظرية الفيض النوراني وبين الخرافات الهندوكية التي تقول بتناسخ الأرواح.

والواقع أن ثمة رابطاً قوياً بين نظرية الحقيقة المحمدية (7) وبين احتفالهم بالمولد هي أن الحقيقة تجسدت في شخص النبي -صلى الله عليه وسلم- في مولده، وهذا ما يهم القوم. أما الشريعة التي جاءت بعد البعث فليست لهم؛ لأن علمهم لدنيٌّ مستمد من هذه الحقيقة.

ولهذا، فهم يقدسون أولياءهم الذين استمدوا من الرسول -صلى الله عليه وسلم- العلم والتصريف، ولأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- - كما يعتقدون - حي في قبره، وأن الحقيقة قد انتقلت إلى مَنْ بَعدَه من الأولياء، فلماذا يُحرق عليه وهو لم يمت (8) ؟ ولهذا لا نعجب إذا حدثوا أن الرفاعي (صاحب الطريقة الرفاعية) قد مد له النبي -صلى الله عليه وسلم- يده من القبر فصافحه وأعطاه العهد، أو قالوا قريباً من ذلك عن البدوي أو الدسوقي أو الشاذلي. لكل هذا فهم يقدسون يوم المولد دون غيره.

وتعجب بعد هذا من مسائل يثيرونها (9) : هل يوم المولد أفضل، أم ليلة القدر؟ ويُصطنع لها أقوال ينتصر في آخرها لقولهم وهو واه جداً.

ومثال آخر/ هو قولهم حول وجوب إظهار الفرحة بيوم المولد مثل أيام العيدين. وتفرع عن هذا مسألة هي: ما حكم صيام يوم المولد؟

دعوات الإصلاح:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت