منذ الانتفاضة الأخيرة للعالم الإسلامي في مواجهة الاعتداءات الأخلاقية والإنسانية التي حاولت النيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم والغرب في حالة من الانزعاج والقلق تجاه هذه الانتفاضة وما تضمنته من مؤشرات توحي إلى الغرب بوجود خطأ فادح في خطوتهم المشؤمة ونتائجها المتوقعة. ويعني ذلك اضطرار الغرب الأطلسي إلى إعادة تقييم خططه في مواجهة العالم الإسلامي بعد أن ظن أن هذه الانتفاضة يمكن احتوائها من خلال تصريحات فضفاضة ومجاملات دبلوماسية. وسرعان ما أكتشف الاتحاد الأوربي أن الأمر أكبر من ذلك فندب إلينا السيد/ خافيير سولانا الذي زار المنطقة بصفته الرسمية وباعتباره المسئول الأوربي الأول عن الشئون الأمنية والسياسية. ولكنه ما أن حط رحاله حتى راح يتصرف كعامل الصيانة الذي انتدبته شركته ليفهمنا كيف يجب أن نتعامل مع الجهاز المعقد المركب الذي اشتريناه منهم ولم نعرف بعد أسرار تشغيله أو نتمكن من حسن استخدامه. راح يشرح مفهوم الحرية وكيف أن سباب الآخر حق مشروع وكيف أنه منطقي وطبيعي أن يفحش الغرب القول لنا ولنبينا ولديننا مع البقاء على احترامه لمعتقداتنا وكيف أن انزعاجنا دليل على عدم قدرتنا على التفاعل مع الآخر وتفهم منطلقاته وتقبل الإختلاف معه.
وفي هذه الفترة الوجيزة تتابعت الاتصالات والاستفسارات من قبل الإعلام الغربي لمحاولة فهم ما يجري وقد أبدى الكثيرون اندهاشهم، فهم لم يتوقعوا رد فعل واسع النطاق وشديد التعبير عن التأثر والغضب الذي اجتاح العالم الإسلامي. وكانت تساؤلاتهم تحمل في طياتها الكثير من الاستفهام الممزوج بالاستنكار وكلاهما يعكس نفسية مضطربة قد دبت فيها الحيرة جراء ما يحدث. إن ما حدث يعتبر فشلاً حقيقياً يستدعي إعادة تقييم وتغيير جذري للخطط الغربية تجاه العالم الإسلامي، فالحملات العسكرية والغربنة والعولمة والهيمنة السياسية والهيمنة الاقتصادية والتوجيه الإعلامي. وجميع محاولات إعادة صياغة العقل العربي المسلم جميعها باءت بالفشل الذريع حيث انهارت أمام أول اختبار من شأنه أن يثبت انفصال المسلم عن ثوابته وذلك في مراحل متقدمة في المسيرة التي رسمها له الغرب تجاه التبعية الفكرية والهيمنة الحضارية المطلقة. وزاد من حيرتهم الخلل الذي وجدوه حاضراً جلياً من خلال تباين ردود فعل العالم الإسلامي تجاه الكثير من الأحداث الدموية التي أقترفها الغرب وذلك مقارنة برد الفعل الناجم عن المساس بمقام صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم. وقد يعتقد الغرب أن ردود الفعل السابقة تمثل ضعفاً وانهياراً لمقومات الأمة وقدرتها على المواجهة الجماعية كما تعكس (بحسب ظنهم) ما أعتبره الغرب نجاح مخططاتهم التي استهدفت تدجين ومسخ العقل العربي المسلم. ولكنه فوجئ بهذه الهبة الجماعية فأخذ يبحث عن أسبابها بل وأسرارها. وقد سُئلت عما حدث وأنتظر القوم مني جواباً فرحت أقلب الأمر وأتدبره محاولاً معرفة الجواب ومنطقته. فأخذت أقلب في صفحات التاريخ القريب لمعرفة أسرار التحرك الجماعي وآلياته فإذا بي أمام حالة فريدة لم توجد خارج عالمنا العربي والإسلامي من قبل، وهي غضب الإنسان المسلم والعربي لأجل مبدأ أو مفهوم روحي يخرج عن إطار الحسيات والماديات التي تمس الإنسان مساساً مباشراً في حياته اليومية أو مصادر الرزق أو الأنظمة الحاكمة التي تحد من حركته أو تؤثر في مستقبله. بل ويزيد على ذلك أن هذه الحالة إنما طرأت على أمر غير ملموس إذ ليس أمامنا ما نشهده من انتهاك مباشر للإنسان العربي المسلم على غرار ما نراه في العراق وفلسطين وأفغانستان وغوانتانامو وغيرها من البؤر المظلمة في تاريخ الإنسانية المعاصرة.