الصحافة الغربية تعمل في استقلال تام عن الحكومات، وتتمتع بحرية طرق الموضوعات وتناولها دون رقابة، ونفس الشيء ينطبق أيضا على الرسوم الساخرة التي تطال شتى الميادين دون حرج. وللحيلولة دون انزلاق الصحافة وانحدارها إلى درك التشهير العرقي أو السب الشخصي سنت الدول الأوروبية مجموعة من التشريعات التي تعاقب على القذف والتشهير، وهي قوانين وإن كانت تختلف من بلد لآخر، إلا أنها تتفق على ضرورة احترام كرامة الأشخاص وعدم المس بها. وبالنظر إلى السلوك الأرعن للصحيفة الدانمركية المتمثل في إقدامها على نشر صور تمتهن كرامة الآخر وتحط من معتقداته، فإن الرد الأمثل على ذلك هو انخراط المسلمين في احتجاجات سلمية تشجب الرسوم وتعبر عن غضبهم المشروع إزاء صور تمس بالمقدسات الإسلامية، لكن دون الانخراط في أعمال العنف ودعاوى الحقد والكراهية التي أطلقتها بعض الجهات، علما أن العنف لم يؤد سوى إلى تقديم خدمة جليلة إلى المحرضين في المعسكر الغربي الذين ينتظرون الفرصة لإشعال نار الفرقة بين العالمين الإسلامي والغربي. وقد نظر الأوروبيون إلى الاحتجاجات العنيفة التي شهدتها بعض الدول على أنها أمثلة ساطعة على التخلف ومناهضة الديمقراطية السائدين في العالم الإسلامي، في وقت ناضل فيه الأوروبيون طيلة قرون مديدة لانتزاع الحرية والانعتاق من هيمنة الكنيسة الكاثوليكية.
بيد أن الغربيين بإصرارهم على حرية التعبير كمبدأ أساسي يحكم الصحافة استشعر العديد من المسلمين سياسة المعايير المزدوجة التي يدمن عليها الغرب. وقد عبر عن ذلك الشعور بشكل واضح عمرو موسى، الأمين العام للجامعة العربية الذي أعلن متسائلا:"ماذا عن حرية التعبير عندما يتعلق الأمر بالعداء للسامية؟ بالطبع يعتبر الأمر جريمة في هذه الحالة، لكن عندما يتعرض الإسلام للسب، فإن المسألة لا تعدو حرية التعبير". لذا فإن الدعوة التي أطلقت في العالم الإسلامي لمقاطعة المنتجات الدانمركية جاءت في إطار الاحتجاج غير العنيف، حيث تركت للناس حرية الانخراط الطوعي في مقاطعة البضائع الدانمركية على قاعدة التعبئة الشعبية. أما أعمال العنف التي عمت الشارع الإسلامي فقد جاءت غير متناسبة مع حجم القضية وخلفت انطباعا بعدم الارتياح لدى الغرب. وإذا كان من السهل الهجوم على بلد مثل الدانمرك بدل الدخول في مواجهة مع بلد أكثر قوة، فإنه من غير المفهوم حدوث ردة فعل بهذه الحدة ضد رسوم كاريكاتيرية، مهما بلغت إساءتها، وتجلت ردة الفعل هذه في حشد الجماهير المدعومة من قبل الحكومات إلى درجة فاقت احتجاجات ستكون مفهومة أكثر ضد قضايا ملحة كالحرب على العراق، أو ما يجري في معتقلي"أبوغريب"وغوانتانامو. وهي موضوعات جديرة بالاحتجاج، فضلاً عن أنها تجمع بين النشطاء العرب الديمقراطيين من جهة ونظرائهم الغربيين المناهضين للسياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط من جهة أخرى. ثم لماذا اقتصرت المقاطعة على المنتجات الدانمركية وحدها بينما يستمر المسلمون في استهلاك البضائع الأميركية مثل كوكاكولا وغيرها؟
ولئن كنا نفهم جيدا مشاعر الغضب والاستياء التي اجتاحت شرائح واسعة من المسلمين نتيجة للرسوم المشينة، غير أن الحكمة كانت تقتضي عدم الوقوع في فخ النظرة التعميمية التي تعاملت مع الغرب على أنه كتلة واحدة، فضلا عن الهجوم غير الموفق على حرية التعبير. نقول هذا لأن ردة الفعل العنيفة في العالم الإسلامي منحت مبرراً للمتطرفين في الغرب لتصوير المسلمين وكأنهم أعداء للحرية والديمقراطية التي يتم استغلالها في الكثير من الأحيان للتهجم على المسلمين، رغم أنهم ليسوا الوحيدين في ذلك بعدما أصبحت الرموز المسيحية أيضاً محط سخرية وتندر. وحتى لو التأم الجرح الذي خلفته قضية الرسوم في الجسمين الإسلامي والغربي بعدة فترة قصيرة، إلا أن الندوب ستظل ماثلة أمامنا تذكرنا بمدى الهوة التي تفصل بين عالمينا والتصورات الخاطئة التي ما فتئت تتعمق لدى الجانبين. ورغم أننا نعيش في عصر العولمة، إلا أن التواصل بيننا بات أصعب من ذي قبل فاتحاً المجال أمام المتطرفين في الجهتين معا لتعزيز مواقفهما من خلال الخطاب المحرض على العنف والكراهية التي جاءت لتؤكده الأحداث الأخيرة المؤسفة. ولئن كان بعض المسلمين قد شعروا فعلا بالإساءة، كما شعر بعض الغربيين بخضوعهم للرقابة، إلا أن المتطرفين في كلا الجانبين ساهموا في تأجيج تلك المشاعر عبر نفخ وتضخيم مقولات احترام المعتقدات، والدفاع عن حرية التعبير.
صحيفة الإتحاد الإماراتية
السر العصيّ
الكاتب: د. باسم عبد الله عالِم