فهرس الكتاب

الصفحة 520 من 3657

و عن عبد الله بن عمرو: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: (( ألا أخبركم بأحبكم إلىّ، وأقربكم منى مجلسا يوم القيامة؟ - فأعادها مرتين أو ثلاثًا - قالوا نعم يا رسول الله؛ قال: أحسنكم خلقا ) ).

و قال: (( ما من شئ أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، إن الله يكره الفاحش البذيء، وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة ) ).

هذا التصريح لو صدر عن فيلسوف يشتغل بشؤون الإصلاح الخلقي فحسب لما كان مستغربا منه، إنما وجه العجب أن يصدر عن مؤسس دين كبير، والأديان - عادة - ترتكز في حقيقتها الأولى على التعبد المحض.

ونبي الإسلام دعا إلى عبادات شتى، و أقام دوله ارتكزت على جهاد طويل ضد أعداء كثيرين، فإذا كان - مع سعه دينة، و تشعب نواحي العمل أمام أتباعه، يخبرهم بأن أرجح ما في موازينهم يوم الحساب، الخلق الحسن، فإن دلالة ذلك على منزلة الخلق في الإسلام لا تخفى..

والخلق أن الدين إن كان خلقًا حسنًا بين إنسان وإنسان، فهو في طبيعته السماوية صلة حسنة بين الإنسان وربه، و كلا الأمرين يرجع إلى حقيقة واحدة أن هناك أديانًا تبشر بأن اعتناق عقيدة ما، يمحو الذنوب، وأن أداء طاعة معينه يمسح الخطايا.

لكن الإسلام لا يقول هذا، إلا أن تكون العقيدة المعتنقة محوارًا لعمل الخير، و أداء الواجب، و أن تكون الطاعة المقترحة غسلًا من السوء، و أعدادا للكمال المنشود، أي أنه لا يمحق السيئات إلا الحسنات التي يضطلع بها الإنسان، ويرقى صاعدًا، إلى مستوى أفضل.

و قد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على توكيد هذه المبادئ العادلة، تتبينها أمته جيدًا، فلا تهون لديها قيمة الخلق و ترفع قيمة الطقوس.

عن أنس: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (( إن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة، وأشرف المنازل، وأنه لضعيف العبادة، و أنه ليبلغ بسوء خلقه أسفل درجة في جهنم ) ).

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( أن المؤمن بحسن خلقه درجة الصائم القائم ) )..

و في رواية: (( إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجات قائم الليل و صائم النهار ) ).

و عن بن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن المسلم المسدد ليدرك درجة الصوام القوام بآيات بحسن خلقه و كرم طبيعته ) ).

و روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( كرم المؤمن دينه، ومروءته عقله، وحسبه خلقه ) ).

وروى عنه أبو ذر: (( قد أفلح من أخلص قلبه للإيمان، وجعل قلبه سليمًا، ولسانه صادقًا، و نفسه مطمئنة، و خلقه مستقيمة ) ).

وحسن الخلق لا يؤسس في المجتمع بالتعاليم المرسلة، أو الأوامر والنواهي المجردة، إذ لا يكفى في طبع النفوس على الفضائل أن يقول المعلم لغيره: أفعل كذا، أو لا تفعل كذا، فالتأديب المثمر يحتاج إلى تربية طويلة، و يتطلب تعهدًا مستمرًا.

و لن تصلح تربيه إلا إذا اعتمدت على الأسوة الحسنة، فالرجل السيئ لا يترك في نفوس من حوله أثرًا طيبًا.

وإنما يتوقع الأثر الطيب ممن تمتد العيون إلى شخصه، فيروعها أدبه و يسبيها ليله و تقتبس- بالإعجاب المحض من خلاله، و تمشى بالمحبة الخالصة من أثاره.

بل لابد- ليحصل التابع على قدر كبير من الفضل- أن يكون في متبعه قدر أكبر و قسط أجل..

و قد كان رسول الإسلام بين أصحبه مثلًا أعلى للخلق الذي يدعو إليه، فهو يغرس بين أصحابه هذا الخلق السامي، بسيرته العاطرة، قبل أن يغرسه بما يقول من حكم و عظات.

عن عبد الله بن عمرو قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن فاحشا ولا متفحشا، و كان يقول: (( خياركم أحاسنكم أخلاقا ) ).

وعن أنس قال: خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين. والله ما قال لي: أف قط، و لا قال لشيء: لم فعلت كذا؟ وهلا فعلت كذا؟

وعنه: إن الأمة كانت لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت، و كان إذا أستقبله فصافحه، لا ينزع يده من يده، حتى يكون الرجل ينزع يده، ولا يصرف وجهه عن وجهه، حتى يكون الرجل هو الذي يصرفه، ولم ير مقدمًا ركبتيه بين يدي جليس له - يعنى أنه يتحفظ مع جلسائه فلا يتكبر-.

و عن عائشة رضى الله عنها قالت: (( ما خير رسول الله صلى الله عليه و سلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه، وما أنتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه في شئ قط، إلا أن تنتهك حرمه الله فينتقم، وما ضرب رسول الله صلى الله عليه و سلم شيئا قط بيده، ولا امرأة ولا خادمًا، إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى.

وعن أنس: كنت أمشى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برده غليظة الحاشية، فأدركه أعرابيًا فجذبه جذبه شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله، و قد أثرت بهل حاشيه البرد من شده جذبته، ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك! فألتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضحك، و أمر له بعطاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت