فهرس الكتاب

الصفحة 1519 من 3657

وثمة ميزات وملامح كثيرة أخرى سنلتقي بها عبر فصول الكتاب ولن يتسع لها المجال هاهنا، إذ هو على أية حال ليس مجال الحديث عن الإسلام من الداخل، وإنما هي إشارة فحسب إلى أن اختبار بعض هذه الميزات، من الخارج، أكَّد، وسيظل يؤكد تفرّد هذا الدين وقدراته المتجددة التي ما لها من نفاد. ويزيد هذا الاختبار أهمية أنه لا الأديان المحرفة ولا المذاهب الوضعية قدرت على أن تلمّ دفعة واحدة هذه الميزات جميعًا. نعم إنها قد تألّقت في هذا الجانب أو ذاك، ونالت إعجاب الناس لهذه الميزة أو تلك، ثم إن هذا التألق والإعجاب ما غطى سوى مرحلة زمنية محددة فحسب، وما لبث أن انطفأ لكي يتحول الاتباع إلى ما يبهرهم ويقنعهم، إلى عقائد ومذاهب أخرى، أو أنهم علّقوا على الأقل إعجابهم وانبهارهم وفقدوا قناعاتهم بما كانوا قد انتموا إليه يومًا، كما يفعل الكثير من الغربيين اليوم ممّن كانوا نصارى أو ماركسيين في يوم من الأيام.

أما في الإسلام فإننا نجد حشدًا من الميزات، وقدرة في الوقت نفسه على تجاوز أسر الزمان والمكان، والامتداد الدائم، عبر الحالات والمتغيرات والتحديات، لكسب الإنسان، ومنحه القناعة بتفرد هذا الدين وتميّزه على المذاهب والنظريات، وهو يبدو واضحًا في قرننا العشرين هذا بسبب من الخيبة التي مني بها الإنسان وهو يتعامل مع هذه المذاهب والنظريات، الأمر الذي يقودنا إلى وقفة عاجلة عند الخصائص الأساسية للبيئة الفكرية والنفسية والحضارية التي يعيشها الإنسان المعاصر فتدفعه دفعة إلى البحث عن"البديل"أو الإعراب عن الإعجاب به أو بجانب منه على أقل تقدير.

[ أزمة الإنسان والحضارة الغربية ]

بإيجاز شديد، ومن خلال معاينة أو مطالعة سيل من المعطيات المعاصرة يستطيع المرء أن يضع يديه بسهولة على"الأزمة"التي يعانيها الفكر الغربي بجناحيه العلماني والمادي، والتي يعيشها الإنسان المعاصر، والتي تجابه الحضارة الغربية المتفوقة بنذر التعاسة، وتصيب جسدها الخاوي بالقروح.

وقد تبلورت هذه الأزمة، في جوانبها كافة، من خلال طبيعة الحياة الغربية المعاصرة، وحشود الشهادات التي أدلى بها ولا يزال عدد ليس بالقليل من مفكري الغرب وعلمائه وأدبائه وفلاسفته وفنانيه.

ورغم ما قد يبدو على هذه الشهادات - أحيانًا - من طابع ردّ الفعل الذي يتّسم بالمبالغة أو التهويل، لكنه ردّ فعل ملائم للأزمة التي تعانيها الحياة الغربيّة، وردّ الفعل كما هو معروف يجيء مساويًا للفعل في قوته مخالفًا إيّاه في الاتجاه.

ثم إن هؤلاء، الذين يقولون كلمتهم في الحضارة الغربية، ويدينونها، ليسوا أناسًا عاديين، إنهم - بلا ريب - زهرة الثقافة الغربية وطليعتها التي لا تعبّر عن نفسها فحسب، ولكن عن حشود المثقفين الذين يجتازون الممر الضيق نفسه ويكادون أن يختنقوا، بل عن جماهير الناس العاديين الذين سنلتقي بنماذج منهم في هذا الكتاب، والذين يحسون بالأزمة ولكنهم لا يستطيعون أن يعبروا عنها بالصيغ الأكثر نضجًا، بل ربما، كان تعبير بعضهم أقرب إلى المباشرة والبساطة والفجاجة، من خلال موجات من الموضات السلوكية المنحرفة، يعقب بعضها بعضًا، وهي في عمومها تمنح الدارس محصلة واحدة: الاحتجاج ضد الحياة الغربية المعاصرة، ورفضها.

وبمجرد إلقاء نظرة سريعة على أعمال معروفة من مثل (اللامُنتمي) و (سقوط الحضارة) لكولن ولسون، و (الساعة الخامسة والعشرون) لكونستانت جيور وجيو، و (الخمور الفكرية) لآرثر كوستلر و (الصرخة المختنقة) لسترايت و (الطريق إلى مكة) لليوبولد فايس و (منعطف الاشتراكية الكبير) و (البديل) لروجيه جارودي و (عصر السريالية) لفاولي و (المذكرات) لكازانتزاكي و (الإنسان ذلك المجهول) لألكسيس كاريل و (حدود العلم) لسوليفان ومؤلفات كتاب (العبث واللامعقول) من مثل بكت وجان جينيه ويوشكو وبعض الكتاب الوجوديين وبخاصة كامي وغيرها كثير (1) يمكن أن نتلمس بوضوح حجم المعاناة التي تجابه الإنسان والحضارة الغربية بأجنحتها كافة فتسوق البعض إلى الرفض والانشقاق، والبعض الآخر إلى البحث عن البديل وتسوق فئة ثالثة إلى الإيمان بهذا الدين: الإسلام الذي رأوا فيه خلاصهم الوحيد.

إن انتماء رجل كليوبولد فايس، أو روجيه جارودي إلى الإسلام، وكلاهما يملك عقلاً كبيرًا، ويمثل باتساع ثقافته وعمقها، وبتنوع خبرته، حصيلة الثقافة الغربية العميقة وغنى خبراتها، يعنى أن هذه الثقافة لم تجد في مكوناتها الخاصة بها، على ازدحامها وكثافتها، ما يمنح بعض العقول الكبيرة القناعة والتوازن واليقين. بالعكس، فإن هذا الغنى الثقافي يكشف أكثر فأكثر، ضرورة أن تكون هناك قاعدة أساسية تنبثق عنها هذه الثقافة عقيدة شاملة، بعبارة أخرى، فالثقافة وحدها لا تكفي، وهي تميل في الأغلب، إذا لم تستند إلى أرضية عقيدية أو رؤية شمولية مقنعة، لأن تتبعثر وتتشتّت، وتجرّ معها الإنسان إلى التبعثر والتشتت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت