وإلى جانب هذا، ومن خلال المعاناة نفسها برزت على الساحة الغربية ظاهرة (اللاإنتماء) التي حدثنا عنها الباحث البريطاني كولن ولسون في كتابيه المعروفين (اللامنتمي) و (سقوط الحضارة) فأطال الحديث. إن كبار المفكرين والفنانين والأدباء والفلاسفة هناك لم يقدروا على التحقق الذاتي في إطار ثقافتهم تلك، بل لم يجدوا أوليات التوازن، واليقين في خضمّ هذه الثقافة المتلاطم، الكالح، العميق. وكانت مأساتهم تكمن في أنهم كانوا يعون هذا الانفصال المحزن بين الإنسان فردًا ومجتمعًا وبين ثقافته وإن اندفعت قيادات هذه الثقافة وقواعدها نحو نوع من الاندماج أو النسيان - ربما - بسبب من تضاؤل وعيها بانعدام التوازن أو التلاؤم بين الإنسان الغربي وبين ثقافته، نجد بالمقابل ذلك التّيار المضاد: حشدٌ من المثقفين الكبار يتمردون على ثقافة بلغت بهم شوطًا من الطريق، وهم يريدون أن يواصلوا الرحلة صوب المصير فلا تقدر معطياتهم الثقافية على منحهم المزيد. لقد"امتلكوا العالم"كما يقول كولن ولسون ثم"ماذا بعد؟".
إن الإنسان بطبيعة تركيبه ذي النزوع إلى الماورائيات يريد أن يتجاوز العالم إلى الكون، جدران المادية إلى الغيب، الطبيعة إلى ما وراءها، والسلطة إلى الحرية، إنه يريد أن يكسر الأسوار، وينطلق بحثًا عن الإله المفقود. بعبارة أخرى إنهم يريدون العقيدة التي تلبّي نزوعهم الطموح، وإن المرء ليلمس بوضوح هذا التوجه صوب العقيدة الشمولية المتوازنة في معظم المؤلفات الغربية التي أشرنا إلى نماذج منها، والتي حاول أصحابها أن يعالجوا أزمة الوجود الثقافي الغربي على ضوء المصير المقفل والدرب المسدود.
وإننا لنلمح على ضوء هذه الأزمة التي تعانيها الثقافة الغربية الدافع الذي جعل حشدًا من كبار المثقفين الغربيين، عبر الربع الثاني من هذا القرن على وجه التقريب، من مثل آرثر كوستلر واندريه جيد وريتشارد رايت واكناز سيلوني وستيفن بندر ولويس فيشر وبيكاسو واراجون وجارودي وغيرهم يلجأون إلى الماركسية. إنه لم يكن توجهًا حرًّا بمعنى الكلمة، ولكنه ارتماء المرهقين الباحثين عن الخلاص بأية طريقة ومن خلال أي برنامج يمتلك رؤية عقيدية شاملة تأخذ بيد الإنسان، حتى ولو كان الذي يصوغها هو الشيطان.
لكن المشكلة التي سرعان ما تبدت لهؤلاء الذين ارتموا في أحضان الماركسية أنها هي الأخرى تمتح من البئر نفسه الذي يشكل ماؤه نسيج الثقافة الغربية وينفخ الحياة في عروقها.
الفلسفة المادية التي ترفض الغيب والروح، وتنكر وجود الله، وتقطع الطريق إلى الجنة، وتحارب وجود الله.. إنها هي الأخرى تحجّم الإنسان، وتحصره في النطاق الضيّق، وتغلق الأبواب عليه لكي لا ينطلق صوب الآفاق الرحبة التي تتجاوز حدود المنظور والملموس وتتأبى على نداءات الجنس وصرخات الأمعاء.
وإذا كان ثمة فارق فإنه يكمن في امتلاك الماركسية النظرة الشمولية للعقيدة والفلسفة التي استهوت أولئك المثقفين، لكن الجوهر هو الجوهر والنسيج هو النسيج. فما ثمة بد لهؤلاء من الارتداد، كرة أخرى، بحثًا عن حل أكثر قبولاً، وأقدر على تلبية طموح الإنسان، بما أنه"إنسان"لا"حيوان اجتماعي"، ولا مجرد أداة ميكانيكية، أو رقم مضاف إلى الشمال أو اليمين. حلّ يمكّن المثقف الغربي من التحقّق الذاتي الضائع، وإذا كانت الأكثرية القلقة لم تقدر لأسباب شتى، ليس هذا مجال تحليلها أو حتى الإشارة إليها، على أن تجد طريقها صوب الهدف، فإن إسلام عشرات الغربيين بل مئاتهم، إشارة مؤكدة على أن هناك من يقدر على الوصول وعلى أن رحلة البحث عن المصير الموازي لحجم الإنسان ستؤتي ثمارها بإذن الله.
إن الأزمة الغربية الراهنة، في جوانبها الفكرية والنفسية والحضارية، تأخذ أبعادًا شتى، ليس أقلها خطورة - إذن - ذلك الضمور والضحالة الروحية اللذان تعانيهما الحضارة المعاصرة بكافة مذاهبها ونظمها ومعطياتها، الضمور والضحالة اللذان يصلان حدّ الخواء، وانعدام أي بعد يمنح الإنسان المعاصر رؤية أوسع مدى، وتجربة أعمق غورًا، يتجاوز بهما سطحية حياته المادية ورتابة تجربته المباشرة، ويكسر جدران الحس القريب لكي يمدّ في تجربة"الإنسان"ويمنحها كثافة أشد، وتوغلاً أبعد، ومنظورًا لتكون الحياة والعالم والإنسان أكثر غنى، إنه خواء يستل اليقين بكل ما من شأنه أن يمنح الحياة البشرية تفردّها، وتألّقها، وتميزها عن سائر الحيوان، ويعطي أبناءها الفرصة للاستهداء بحشد من القيم، والضوابط والمناهج المرسومة، التي يتحركون على هديها إلى أهداف تليق بهم، وتخلّصهم من الفوضى والتخبّط والارتجال.
إن حضارة تفتقد اليقين الديني لن يكون بمقدورها أن تمنح الإنسان كل ما يري، وإن الإنسان إن لم يجد نفسه في بيئة تتعامل معه كإنسان، بكل مكوناته، وأشواقه، ومنازعه، فإنه سيتمرد - ولا ريب - على هذه البيئة، وينشق عليها، طال الوقت أم قصر.