فهرس الكتاب

الصفحة 1521 من 3657

(1) انظر المؤلفات التالية للمؤلف: (تهافت العلمانية) ، (الأدب في مواجهة المادية) ، (العلم في مواجهة المادية) ، (فوضى العالم في المسرح الغربي المعاصر) ، (أضواء جديدة على لعبة اليمين واليسار) .

[ الأخطاء المنهجية للفكر الوضعي ]

وثمة النظرة الأحادية للفكر الغربي الوضعي (1) ، والمنهج ذو الوجه الواحد الذي طالما اعتمده هذا الفكر وتشبث به. إنه ملمح لا يقل خطورة عن الملمح السابق ومن ثم سنقف عنده بعض الشيء.

إن المرء كثيرًا ما يتساءل: لماذا يصرّ الفكر الوضعي عمومًا، والغربي بخاصة، على التشبث بجانب واحد من الفكرة ذات الجوانب العديدة ويقف عند مساحة محدودة منها بينما هنالك مساحات أخرى ؟ ولماذا يصرّ على تبسيط الظاهرة وحملها على أن تطلّ على الإنسان بوجه مسطح واحد بينما هنالك وجوه عدّة ؟ ولماذا يتشنّج على طبقة واحدة من الحقيقة بينما هي تتضمن طبقات وطبقات ؟

إن السبب قد يحمل بعدًا نفسيًا ذاتيًا صرفًا، فالمفكّر الوضعي الذي يكتشف جانبًا من الحقيقة، أو مساحة من الظاهرة، أو وجهًا ما من الفكرة، ليسعى للاعتقاد بأن ما اكتشفه هو الجانب الوحيد للحقيقة، والمساحة الكلية للظاهرة، والوجه المتفرد للفكرة، ويبذل جهدًا متواصلاً لإقناع أتباعه بذلك ولشدة التكرار والإلحاح يتوهم هؤلاء بأن ما يقوله هو الحق وأن اكتشافه الفكري هو الصواب وأنه يتضمن أطراف الحقيقة أو الفكرة أو الظاهرة كافة.

إنها نوع من الرغبة في تعبيد الناس للمفكر، وكسب إعجابهم وانبهارهم من خلال أطروحاته الفكرية المعزّزة باستنتاجات ومعطيات متواصلة لتأكيد أنها الحق المطلق وأن ما وراءها الباطل والضلال. وهو يبني موقفه هذا، أو كسبه غير المشروع إذا صحّ التعبير، على ما قد يتضمنه العقل البشري من قصور وعدم قدرة على الإلمام بجوانب الحقيقة، وافتقاده النظرة الكلية التي تستشرف أطراف الظاهرة من كل مكان. هذا العقل الذي يظل يعاني من نقصه هذا طالما هو لم يستهد بدين سماوي، ببرنامج عمل موضوعي يجيء من السماء ويمنح الإنسان والعقل الإنساني، بما يتضمنه من علم إلهي شامل، القدرة على تجاوز النظرة أحادية الجانب، والتوغل لإدراك جوانب الحقيقة ومساحاتها وطبقاتها جميعًا.

إن المفكر الوضعي يمارس هنا نشاطاً ضد المنهج، ضد الموضوعية والتجرد العلمي، وهذه الضدّية تجيء على حساب الحقيقة. نعم، قد يكسب المفكر الجولة وقد يلتف حوله المريدون والأتباع، وقد يُظنّ لفترة طويلة من الزمن أنه وضع يده على مفاتيح الحقيقة وأنه سبر غورها العميق، ولكن الخاسر في هذه اللعبة التي تكررت على الساحة الأوروبية عشرات القرون هو الحقيقة والإنسان الذي يتوخى معرفتها وإدراكها في نهاية الأمر.

ويقوم هذا النشاط الذي يمارسه المفكر ضد المنهج والموضوعية على محاولة توسيع مساحة"الاكتشاف"لجعله يلف الظاهرة كلها، فيمطّه بأي أسلوب لكي يحيط بالفكرة من جوانبها كافة، ويرغمه على التضخّم لكي يوازي الحقيقة طولاً وعرضًا وعمقًا.

والمشكلة أن هذا الاكتشاف الذي يحمل قيمته الكبيرة بحدّ ذاته، قد يغطي مساحة من الظاهرة، قد يفسّر جانبًا من الفكرة، قد ينشر شعاعًا على جهة محدودة من الحقيقة لكي يضيئها. ولكن تبقى دائمًا مساحات وجوانب أخرى من الظواهر والأفكار والحقائق لا يكفي الاكتشاف - إن على مستوى النوع أو على مستوى الكم - لتفسيرها وإضاءتها، لابد من اكتشافات أخرى وإضاءات متتالية، تأخذ طابع التتابع والتكامل، وتسلط على الحقائق والظواهر والأفكار من أطرافها جميعًا، ويسهم فيه خط طويل من المفكرين، وعقول متألقة لا يحصيها عدّ.. وعند ذلك قد تصل إلى تفسير هذه الظاهرة أو تلك وقد لا تصل أساسًا.

إن هذا يتم في ميدان العلوم النظرية (الصرفة) والتطبيقية (التقنية) ولهذا حقّقت هذه العلوم تلك الخطوات العملاقة، وقدّمت للإنسان خدمات جلى لا يستطيع أحد أن ينكر دورها الفعال في استمرار الحضارات وبخاصة الحضارة الغربية المعاصرة.

لكن العلوم الإنسانية شهدت صيغة أخرى في العمل، صيغة الانفراد، والذاتية، والادعاء، والتضخم. ولذا لم تستطع أن تقدم للإنسان عُشر معشار ما قدمته العلوم النظرية والتطبيقية، ولهذا - أيضًا - آلت إلى الفشل والسقوط الواحدة تلو الأخرى.

فعلى سبيل المثال، لماذا يصرّ عقل فذ (كهيغل) على جعل الجدل أو الديالكتيك أو التقابل المتضاد بين الحقائق والتجارب يقتصر على نطاق (الفكرة) ؟ ولماذا يجيء (ماركس) و (انجلز) بعده لكي يديناه على أحادية نظرته، بل على وضعها المقلوب، لكنهما ما يلبثان أن يقعا في الخطأ نفسه فيتشنجان على نظرية الديالكتيك المادي، أي الجدل في نطاق المادة وحدها؟ إنهما يتهمان (هيغل) بأنه وضع فلسفة"تمشي على رأسها"لكنهما وهما يسعيان لتعديل الوضع الفلسفي، قدّما فلسفة تمشي على بطنها بحثًا عن الخبز وحده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت