فهرس الكتاب

الصفحة 1522 من 3657

أما كان الأولى أن يتجاوز (هيغل) تشبثه بالفكرة، وأن يبعد (ماركس) و (انجلز) قليلاً عن الأرضية المادية، وأن يحاول الطرفان وضع صيغة للجدل أكثر شمولية تتضمن الفكري والمادي معًا؟ ثم لماذا يصرّ الطرفان على أن الجدل بين الأفكار أو الصيغ المادية يأخذ طابع التناقض والتضاد ويقود دومًا إلى الاصطراع؛ ألا يتحتم أن تضاف إليه صيغ أخرى للعلاقة تأخذ طابع (التبادل) بدلاً من التضاد؟ تبادل في الأخذ والعطاء دونما ضرورة تدفع لصراع محتوم، ودونما اطراح لبعض العناصر من هذا الجانب أو ذاك، بل بلورته وتبنّيه وإضافته للموحّد الجديد.. وغير (هيغل) و (ماركس) و (انجلز) كثيرون جدًا.

إن ثمة أسئلة كثيرة تخطر على بال الإنسان وهو يتعامل مع الفكر الوضعي ولئن لم تحظ بأي جواب، فإن هناك ما يشبه القناعة تبرز لكل ذي عينين: أن النظرة أحادية الجانب، تلك التي تأخذ بخناق هذا الفكر، إن هي إلا انعكاس لنوع من الادعاء والغرور، وربما الكذب، سواء شئنا أم أبينا، إن معظم المفكرين الغربيين كما يصفهم كتاب الله {إِن يَتَّبِعُونَ إلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ} [سورة النجم، الآية 23] .

تلك هي أزمة الفكر الوضعي من جهة المفكر نفسه، أي من الزاوية التي يطل بها على العالم، والمنهج الذي يعتمده في التعامل مع الظواهر والحقائق والأشياء. ولكننا نريد أن نقف لحظات في الجهة الأخرى، جهة العقل الغربي المتلقّي وهو يتعامل مع معطيات مفكريه: مذاهب ومدارس وعقائد ونظريات جهة المثقفين الغربيين وهم ينتمون إلى هذه المدرسة أو تلك، وإلى هذا المذهب أو النظرية أو ذاك.

فهاهنا أيضًا نجابه بعدد من الأخطاء المنهجيّة في طبيعة هذا التعامل، ويكمن أكبر هذه الأخطاء وأشدها وضوحًا في المشكلة نفسها التي يعاني منها المفكر واضع النظرية أو مصمّم المذهب، تلك هي - مرة أخرى - النظرة أحادية الجانب حيث يمارس المثقف ما يمكن اعتباره خداعًا وتضليلاً على حساب الحقيقة، أو ما يمكن اعتباره خطأ منهجيًا على أقل تقدير. إنه يصدّق فعلاً أن (الاكتشاف) الذي حققه هذا المفكر أو ذاك، ومطّه ونفخ فيه لكي يجعل منه نظرية أو مذهبًا، يفسر كل شيء، ويلقي ضوءه على كل معضلة أو مسألة غامضة في الوجود والعالم، يصدّق أن هذا الاكتشاف هو الحق المطلق، الرؤية المتفردة، الكشف النهائي للسنن والقوانين التي تحرك العالم وتفسر معطياته في الوقت ذاته. وهم، أي المثقفون، يدفعون أنفسهم إلى نوع من الاستسلام لهذا التصوّر، يصل بهم أحيانًا حدّ الوثنية والتعبّد، فيفقدوه القدرة على أي تفكير مستقل يخرج بهم عن دائرة المذهب الذي انتموا إليه، والمفكر أو الفيلسوف الذي آمنوا به، بل أنهم يعتبرون آية محاولة لتجاوز أطروحات المذهب خروجًا على التعاليم المقدسة، وهرطقة يستحق صاحبها أشد العقاب.

وإذا كان المفكر الوضعي يتخذ موقف المعلم المطلق، أو صاحب الاكتشاف المقدس، لتحقيق حاجة ذاتية في تركيبه الخاص، فما الذي يجعل المثقف المتلقي، أو التابع، يتخذ موقف التسليم المطلق والانقياد الأعمى للفكرة أو الاكتشاف ويتشنج عليهما ويعتبرهما الحق الذي ليس وراءه سوى الضلال؟

قد يلعب البعد النفسي دوره هنا أيضًا، فإن الانتماء لمذهب ما والمبالغة في الاعتقاد بأنه الحق المطلق واليقين الكامل، يمنح الذات فرصة للتحقق والتوازن والامتلاء، ويشبع فيها حاجات كانت في كثير من الأحيان بمثابة الدافع القوي للسلوك البشري. لكن هذا وحده لا يكفي. إنه - مرة أخرى - القصور العقلي، عدم قدرة الإنسان على بلوغ اليقين المطلق، أو رؤية الحقيقة كاملة طالما هو يرفض التلقي عن العلم الإلهي الشامل، ومن ثم يجد نفسه أسير التجزيئيّة والقصور، والرؤية ذات البعد الواحد. وهو من أجل تجاوز محنته، بل بسبب من اعتقاده بقدرته العقلية الفائقة، يندفع للتصديق بهذه النظرية أو تلك، والتسليم بهذا الكشف أو ذاك، لا لأنها بحد ذاتها تحمل الصواب المطلق، بل لأنه هو نفسه لا يملك المقاييس الموضوعية النهائية للحكم عليها ومن ثم فقد يمتلك القناعة الكافية، المناسبة مع قدراته المحدودة، في أن هذا الذي يطرحه مفكر أو فيلسوف ما هو إلا الصدق واليقين والحق، وأن الانتماء إليه يمنح الفكر معادلاته الموضوعية، وتوازنه، واستقراره.

إن المشكلة، مرة أخرى، تكمن في غياب الرؤية الدينية، انعدام المقاييس الموضوعية التي تنبثق عن العلم الإلهي الشامل. وهنا، في الساحة التي يتفرد فيها بالسلطان العقل ذو القدرات النسبية، يصبح الانتماء مجرد اجتهاد شخصي قد يخطئ وقد يصيب، وهو حتى إذا أصاب، فإنه لا يتحقق بالمعرفة الكلية اليقينية الشاملة، لأنه ليس بمقدور عقل بشري أن يبلغ شواطئها.

وهنا قد يسأل المرء: إذا حدث أن طرح مفكر ما كشفًا أو نظرية، تناقض في جوهرها كشف مفكر آخر أو نظريته، فمن يكون من أتباع كلا المفكرين على حق ومن يكون على ضلال؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت