إن هذا التناقض الطولي بين مفكر وآخر يعملان في مجال واحد، من مثل التناقض بين (هيغل) و (ماركس) أو بين (دارون) وحفيده، أو بين (فرويد) وبعض تلامذته الذين انشقوا عليه، يكفي لوحده أن يهزّ قناعات الأتباع بكل الربوبيات والصنميات الفكرية، لكن هذا لا يحدث إلا نادرًا، لأن القصور الفكري وضياع المقاييس الشمولية، فضلاً عن الحاجات والدوافع النفسية في الاحتماء بهذه النظرية أو تلك والامتلاء بقناعاتها يمنع هذا المصير.
مهما يكن من أمر، فإن بعض المفكرين بسبب من تضخم إحساسهم بالقدرة على الكشف، وبأن كشفهم هذا قادر على الامتداد لتغطية جوانب الحقيقة كافة وتفسير كل شيء، بسبب من هذا يتجاوزون - أحيانًا - دوائر تخصصهم، ويوغلون في مجالات ودوائر أخرى للمعرفة قد لا يملكون من الأدوات والوسائل ما يمكنهم من أن يحققوا فيها ما حققوه هناك في حقل تخصصهم وإبداعهم. وإذا كان الدافع لهذا السلوك واضحًا، فما الذي يدفع (الاتباع) إلى تقبل هذا الموقف واعتبار معطيات المفكر، حتى في مجالات تبعد عن تخصصه، بمثابة الحقيقة النهائية هي الأخرى؟
(إن هذا بالذات ما يحدث بالنسبة للماركسيين - على سبيل المثال - وهم يتعاملون مع اكتشافات(ماركس) في حقول الاقتصاد والفلسفة والتاريخ، فيرونها جميعًا بمثابة الأمور التي تتجاوز حدود الحقائق الاختبارية إلى نوع من القدسية التي يتحتّم ألا يمسّها أحد بأية صيغة من صيغ التساؤل والشك. فإذا كان (ماركس) في حقل الاقتصاد قدّم في دائرته كشوفًا ذات قيمة، فما الذي يحتم على أتباعه قبول كل معطياته وكشوفاته في مجالين آخرين قد لا يكون صاحب القول الفصل فيهما وهما الفلسفة والتاريخ ؟
إن الفلسفة التي تتعامل مع المادة لا يمكن أن تمنحنا قناعات كافية إن لم تبدأ من المختبر، وتنبثق عن أسس فيزيائية علمية كما يفعل رجال من أمثال (هايزنبرغ) و (اينشتاين) و (كاريل) وغيرهم. والبحث في التاريخ ما لم يستكمل تفاصيل وجزئيات كل عصر وبيئة لا يمكن أن يمنحنا نتائج نهائية.
وعلى ضوء هاتين البديهيتين يمكن أن نقيّم معطيات (ماركس) في هذين الحقلين، ونحن لازلنا نذكر عبارة الباحث الاقتصادي (أوسكار لانكه) وهو أحد أكبر أخصائيين في اقتصاد الدول النامية، فهو بعد أن يستعرض جهود الكتاب الذين اهتموا بدراسة اقتصاد مجتمعات ما قبل الرأسمالية، منذ عصر (ماركس) وحتى عصر (بورشييف) يقول ما معناه:"ولكن هذه الدراسات جميعها مفككة، لذلك فإن الاقتصاد السياسي للنظم الاجتماعية ما قبل الرأسمالية لما يخرج بعد إلى حيز الوجود باعتباره فرعًا منظمًا من فروع الاقتصاد السياسي". ولكن هل يكفي هذا كله لفك الارتباط الوثني بين الأتباع والأرباب وتجاوز تقاليد قرون طوال سادت الفكر الغربي ولا تزال؟.
قد يتساءل المثقف الغربي، ومن حقه أن يتساءل، هل معنى قبول الدين، والإسلام على وجه الخصوص، أن نتخلى - بمعنى من المعاني - عن بعض درجات سلّمنا الحضاري المتقدمة، أو أن نتجاوز"العلمية"التي تميّز هذه الحضارة، والتي هي منهجها وشعارها؟
بعبارة أخرى: هل يحتمّ خلاصنا الديني بالإسلام، أن نضحّي ببعض منجزاتنا العقلية، وخبراتنا الحضارية، من أجل هذا الخلاص ؟ وهل أنه لا مناص من الاختيار بين الاثنين: إما هذا أو ذاك؟
إن الجواب على هذا السؤال المشروع بجانبيه، أي ما يتعلق بالحضارة وما يخصّ العلم، يقتضي وقفة متأنية لكي نعرف ما الذي يقوله الإسلام بصددهما، ما الذي قدّمه أو نسجه؟ وما هي طبيعة منظوره للحضارة، ورؤيته للعلم؟ وهل ثمّة من تأشيرات سلبية على أنشطتهما، أم أنه اللقاء، والحضّ والعطاء؟ هل أنه الانفصال الذي اعتقدته العلمانية الأوروبية كردّ فعل للنصرانية التي وقفت بمواجهة التحضّر والعلم، بشكل أو بآخر، أم أنه التناغم والاتصال؟
لن يسمح هذا المدخل الموجز لتقديم الجواب ويكفي أن نتابع"الشهادات"التي تضمنها هذا الكتاب والتي لا تدع مجالاً للشك في أن الإسلام، بمعنى من المعاني، هو التحضّر والعلم معًا في إطار رؤية دينية تتميز بالشمولية والتوازن.
إنه يتحتّم علينا ألا ننساق وراء المقولة الخاطئة التي اصطنعتها العلمانية الأوروبية، والتي تتركز بعبارة"إما هذا أو ذاك"، أي إما الإيمان أو التحضّر، إما الدين وإما العلم، إما الله وإما الإنسان، وباختصار: إما السماء وإما الأرض.
فهاهنا، في نسيج التصوّر الإسلامي، متناسقًا مع سداه ولحمته، نلتقي الشعار الآخر الذي يتحتم على الغربيين أن يعرفوه جيدًا ويوقنوا به: هذا وذاك، الإيمان والتحضر، الدين والعلم، الله والإنسان، السماء والأرض.
إن الإسلام، بانفتاحه على العلم والتحضّر وتبنيّه لهما، كما سيتبين لنا، يجعل من مرور الزمن، وتراكم الخبرات العلمية والحضارية، سلاحًا بيده وليس ضده، كما فعلت النصرانية وبعض الأديان الأخرى، سيجعل منها عصًا، كتلك التي أمسك بها موسى عليه السلام، فضرب بها البحر ومضى بأتباعه صوب أهدافه المرتجاة.