فهرس الكتاب

الصفحة 1516 من 3657

ولم يكن الإسلام ليحمل هذه الصفة المتفردة، ولا ليصدر هذا الحكم الحاسم، باعتباره الدين الأخير الناسخ لما سبقه من أديان، والقادر - في الوقت نفسه على مواصلة الطريق حتى النهاية، دون أن يكون لديه ميزتان أساسيتان نريد أن نقف عندهما بعض الشيء. أولاهما عقيدة تتعلق بطبيعة الارتباط بين الإسلام وبين كافة الأديان السماوية التي سبقته، وثانيتهما حيوية تتعلق بطبيعة الارتباط بين الإسلام وبين كافة الأديان السماوية التي سبقته، وثانيتهما حيوية تتعلق بقدرة هذا الدين على قيادة الحياة البشرية، وتمكنه من تلبية حاجيات الإنسان، بغض النظر عن اختلاف الزمن والمكان، وتفاوت البيئات والأحوال.

إن اختبار هاتين الميزتين، ليس من قبل المسلمين أنفسهم الذين يسلّمون بهما تسليمًا قطعيًا، وإلا ما غدوا مسلمين ولا اقتنعوا بأحقية هذا الدين في الانتماء إليه، وإنما من قبل أولئك الذين يتحركون خارج دائرة الإسلام، ويحرصون، سلبًا أو إيجابًا، على تفحّص ميزات كهذه، لكي ينفوا أو يؤكدوا تلك المقولة التي تعتبر الإسلام دينًا أخيرًا، وهو في الوقت نفسه يملك ديمومته واستمراريته.

إن اختبار هاتين الميزتين (مما يدخل في سياق هذا الكتاب) والاقتناع بصدقهما وواقعيتهما، يمنح الإنسان غير المسلم قناعة كافية، من بين قناعات أخرى كثيرة، بأن دينًا كهذا يستحق"الشهادة"و"التقييم"، بل و"التقبّل"و"الانتماء"، وهذا هو ما تم بالفعل على نطاق ليس بمحدود كما سيتضح من متابعة معطيات الكتاب.

والحق أنه ليس أسهل على المرء من ممارسة اختبار كهذا، جرى ويجري على نطاق واسع، وذلك بمجرد الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أو إمرار النظر في معطيات الإسلام العقيدية والتشريعية، أو متابعة جانب من صيرورته التاريخية والحضارية.

إن القرآن الكريم، والسنة بالتالي، لا يؤكدان فحسب"تصديق"الإسلام لكافة الأديان السماوية التي (1) سبقته، وهيمنته على روحها وجوهرها، وصهره معطياتها الأصيلة في كيان ديني متوحّد، ذي نسيح واحد،ولكنهما يتجاوزان ذلك ، بما يتضمنانه من حشود الصيغ والمفردات إلى تأكيد مشهود لحقيقة أن الإسلام هو خاتم الأديان السماوية جميعًا، وجوهرها وروحها، وأنه كآخر محطة في مسارها الطويل، سيحمل كل ما تكفّلت حمله من قيم وأهداف وخبرات، سعت جميعًا عبر أماكن وأزمان متفاوتة، لتأكيد أهميتها للإنسان، ولتنفيذها في واقع الحياة.

إن هذا الاحتواء المؤكد لخبرات ومعطيات الأديان السابقة في أصولها الصحيحة، دفع الكثير من الدارسين إلى ذلك الوهم المعروف وهو أن محمدًا صلى الله عليه وسلم، قد تعلم من تلك الأديان وأخذ عنها، والأمر ليس كذلك، فإن ما نقضه الإسلام نفسه من تحريفات تلك الأديان، التي ظن أصحابها ولا يزالون، أنها من صلب أديانهم، وما طرده من أجسام غريبة - وثنية الأصول - في كيان هذه الأديان السماوية، يؤكد أن محمدًا صلى الله عليه وسلم، لم يبعث لكي يتلقى فحسب، أو يرفض فحسب، ولا حتى لكي يمارس عملاً انتقائيًا إزاء مفردات الأديان السابقة، لكي يركّب منها دينًا جديدًا. وإنما المسألة على خلاف هذا كله، فيما يبدو واضحًا في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، على أشد ما يكون الوضوح: تنزيل دين جديد، متميز، في طبيعة نسيجه، وفي المساحة التي سيتحرك عليها والأهداف التي دعي لتنفيذها، لكنه دين غير معزول عن تراث النبوات السابقة [قبل التحريف] ، بل لقد كان يسعى منذ اللحظات الأولى إلى احتضان العناصر الإيجابية من ذلك التراث، وإغناء مكوناته بالجوانب المتألقة من تلك الخبرات، ولكنه - في الوقت نفسه - ما كان يتهادن أبدًا مع كل ما من شأنه أن يمس شخصيته المتميزة، ودعوته المتفردة للتوحيد المطلق، مما هو طارئ على الأديان السابقة، غريب عن نسيجها ذي الخيوط الواحدة الممتدة من السماء.

معنى هذا أن الإسلام ليس بدعًا من الأمر، وأن كل أبناء الأديان الأخرى مدعوون للانضواء إليه، لأنهم بهذا وحده سيكونون صادقين مع أنفسهم، ملبين مطالب الدين الذي ينتمون إليه. وأنهم بانتمائهم للدين الجديد سيعززون القيم الأصيلة لأديانهم السابقة، وسيمكنون لها في الأرض. إنهم بشكل من الأشكال، مدعوون لمغادرة قطاراتهم التي أنهكها المسير، ونفد وقودها، والتحول إلى قطار الإسلام ذي الوقود العجيب، والذي أريد له أن ينطلق لكي يلفّ العالم كلّه، وينقل الأجيال تلو الأجيال من ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن عبادة العباد إلى عبادة الله وحده.

إنه اختبار ليس صعب المنال، والنتيجة يتوخاها الممتحن المخلص كائنة هناك، في نسيج معطيات هذا الدين، منقوشة بوضوح متألّق في صفحات كتابه وكلمات رسوله عليه السلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت