فهرس الكتاب

الصفحة 1515 من 3657

أكاديميًا، تجيء شهادات خصوم هذا الدين لكي تثبت"حقائق"يتحتم أن ترصد، وتوازن سيلاً من المعطيات اللاعلمية واللاموضوعية التي قيلت عن هذا الدين، وتردّ الأمر، أو بعضه، إلى نصابه الحق.

وهذه الدوافع، أو الأهداف الثلاثة، تقود - بالضرورة - إلى المحصّلة الأخيرة التي يبتغيها هذا العمل الأوليّ المتواضع: مخاطبة العقل الغربي، بالصيغ الأكثر إقناعًا وتأثيرًا، عن طريق الاستنتاجات نفسها التي توصل إليها هذا العقل وهو يتعامل مع الإسلام، بقدر طيب من الموضوعية، وإقناعه، أو محاولة إقناعه، بجدّية هذا الدين، وأحقيته في قيادة الإنسان، والحياة في صياغة الوجود البشري والتخطيط للمصير، بعد أن عجزت كافة المذاهب والإيديولوجيات والأديان عن تحقيق هذا الهدف، وأنه ليس ثمة غير الإسلام، بواقعيته، وشموليته، وتوازنه، وانسجامه مع الإنسان، من يقدر على أداء هذا الدور الخطير.

ومن أجل ألاّ يكون هذا التحليل مُجرّد تعميمات غير محددة، فإنه يتحتم قبل البدء بتقديم"الشهادات"أن نضع أيدينا - بالتركيز المطلوب - على الخصائص الأساسية للإسلام، تلك التي كانت بمثابة نقاط إشعاع وتألّق، جذبت أنظار الغربيين ودفعتهم إلى إصدار مقولاتهم تلك، وأن نضع أيدينا - كذلك على الخصائص الأساسية للبيئة الفكرية والنفسية، والحضارية عمومًا، التي تعطي الإنسان المعاصر بعض ما يريده، نعم ولكنها تمنع عنه الكثير مما يريده فيما يوازي حجمه كإنسان، ويلبي مطامحه كمخلوق أريد له أن يلعب دورًا أكبر بكثير، وأعلى بكثير، من هذا الذي يمارسه على مساحة العالم، حتى إذا ما أتيح له أن يلتقي بهذا الدين، وجهًا لوجه، أو من خلال مرايا الآخرين التي تنطبع عليها الملامح، أو بعضها، وعبر الجسور التي يقيمها هذا الرجل أو ذاك، فإنه سيعثر - ولا شك - على ما يدهشه ويعجبه، فتكون ردود الأفعال المتفاوتة، ويكون التعبير ذو الدرجات التي تبدأ"بقول"يقيّم هذا الجانب أو ذاك من جوانب الإسلام، و"شهادة"تبدي إعجابها بهذا الوجه أو ذاك من وجوه أنشطته ومعطياته ونسيجه المتفرّد، وتنتهي بمعانقة هذا الدين، والتسليم به، والانتماء إليه: عقيدة تحمل في بنيتها الصواب المطلق، وتحمل مع هذا الصواب القدرة الفذة المتجددة على مجابهة معضلات العصر، ومعايشة بيئته الصعبة، المضطربة التي يتخبط فيها الإنسان، لكنها ما تلبث أن تستجيب لنداءاته كافة، وتقوده، عبر طرق مستقيمة، كالصراط، إلى مبتغاه.

[ الإسلام هو الرسالة السماوية الأخيرة للبشرية: دعوة للاختبار ]

إن حقيقة"أن الإسلام هو الرسالة السماوية الأخيرة للبشرية"تحمل أهميتها هنا بقدر ما يتعلق الأمر بفئتين من غير المسلمين ظنت إحداهما أن رحلة الأديان توقفت عند السيد المسيح عليه السلام، وأخذت طابعها الأخير على يديه فليس ثمة بعده من نبوة، ولا بعد دينه من دين. وظنت الفئة الأخرى، أنه بعد المسيحية، كدين أخير، وبعد أن أثبتت عجزها عن قيادة الحياة، والإنسان، وملاحقة المتغيرات الفكرية والحضارية، وبعد أن أخفقت في الاستجابة للتحديات التاريخية المتجددة التي لا ينقطع سيلها، ترك الحبل على الغرب، ودُعي الإنسان، الذي لم تقدر النصرانية على أن تأخذ بيده حتى النهاية، دعي لكي يستجيش قدراته العقلية، وينقذ نفسه بنفسه، وفق برامج عمل مرحلية، تسلمه الواحدة منها للأخرى، معتقدًا أنه بهذا وحده قدير على ملء الفراغ، ومنح الإنسان القدرة على اجتياز رحلة الحياة على هدى وبيّنة.

وليس ثمة مجال للتأكيد هاهنا على إخفاق هذه المحاولات الوضعية المتواصلة، وبقاء الإنسان معلقًا من عنقه في فضاء مخيف، وليس ثمة من يمدّ يده إليه لكي يخلّصه ويهديه سواء السبيل، هذه المحاولات التي كان بعضها ينقض بعضًا، وكانت إحداها تضرب الأخرى لكي تدفع بها بعيدًا عن مركز القيادة والسلطان.

عشرات، بل مئات، من المحاولات، كانت الحياة نفسها محكّ اختبارها وكان فشلها - في نهاية الأمر - معيار عدم قدرتها على أداء الدور الذي أريد للأديان أن تؤديه لصالح الإنسان.

وهكذا فإن اعتبار الإسلام هو"الدين الأخير"يحمل أهميته البالغة، ليس فقط في دحض قناعات الفئتين الآنفتي الذكر، اللتين تشكلان المساحة الكبرى من البشرية، بل باعتباره الدين الوحيد الذي يتحتم الانتماء إليه، والعقيدة المتفردة، من بين كل العقائد السماوية التي نسخها هذا الدين، أو الوضعية التي أثبتت نسبيتها وعدم قدرتها على أداء مهمتها في القيادة المتواصلة، الناجعة للإنسان والحياة. العقيدة القادرة في كل لحظة على تسلم مواقع القيادة، المستعدة في كل زمن ومكان لتأدية دورها المرسوم بعناية لصالح الإنسان، المستجيبة - أبدًا - للمتغيرات والتحديات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت