فهرس الكتاب

الصفحة 2464 من 3657

-ثالثاً: وهذا العبارة منكرة:"شاة ذبحناها لنصب كذا وكذا..."وهي نكارة بينة كما قال الذهبي، وهذا نص في أنهم ذبحوها للنصب لا عليه فقط، وهذه الجملة لا تحتمل ولا تليق بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وفي سندها محمد بن عمرو بن علقمة قال فيه الحافظ:"صدوق له أوهام"وقال الجوزجاني وغيره:"ليس بقوي" [1] وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء (1/221-222) :"لا يحتج به".

-رابعاً: الرواية الصحيحة هي كما جاءت في صحيح البخاري، قال البخاري ( 5499) حدثنا معلَّى بن أسد قال: حدثنا عبد العزيز يعني ابن المختار قال: أخبرنا موسى بن عقبة قال: أخبرني سالم: أنه سمع عبد الله يحدث، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أنه لقي زيد بن عمرو بن نُفَيل بأسفل بَلْدَحَ،- ( مكان في طريق التنعيم، ويقال: هو واد) - وذاك قبل أن يُنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي، فقُدِّم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرة فيها لحم، فأبى أن يأكل منها، ثم قال:"إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا مما ذُكر اسم الله عليه"."

وقال البخاري ( 3826) حدثني محمد بن أبي بكر قال: حدثنا فضيل بن سليمان قال: حدثنا موسى بن عقبة قال: حدثنا سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:"أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح، قبل أن ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي، فقدمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم سفرة، فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه. وأن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله. إنكارا لذلك وإعظامًا له".

-قال ابن بطال - رحمه الله:"كانت السفرة لقريش فقدموها للنبي - صلى الله عليه وسلم - فأبى أن يأكل منها، فقدمها النبي - صلى الله عليه وسلم - لزيد بن عمرو، فأبى أن يأكل منها، وقال مخاطباً لقريش الذين قدموها أولاً:"إنا لا نأكل ما ذبح على أنصابكم" ( عمدة القاري 11/540) ."

-خامساً: أين ما يدل في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أكل من هذه السفرة؟ فليس في الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - أكل منها، وإنما غاية ما في الحديث أن السفرة قدمت للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولزيد ولم يأكلا منها.

-سادساً: فهذا هو الثابت في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عرضت وقدمت له السفرة فامتنع أن يأكل منها، نعم جاء عند أحمد (2/69) من طريق عفان عن وهيب عن موسى. وأخرجه أحمد (2/90) من طريق يحيى بن آدم عن زهير عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر بلفظ:"فقدم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرة فيها لحم فأبى أن يأكل منها ثم قال:"إني لا آكل ما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا مما ذكر اسم الله عليه"."

فمما سبق بيانه يتضح أن رواية صحيح البخاري أن السفرة قدمت للنبي - صلى الله عليه وسلم - فرفض أن يأكل منها، ثم قدمت لزيد ولم يأكل منها، فلا وجه لطعن طاعن أو لمز لامز ولله الحمد.

ولو افترضنا صحة الرواية التي جاءت عند أحمد، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم السفرة لزيد، فكذلك لا يوجد دليل على أنها ذبحت على نصب أو ذبحت لصنم، وإن كان قد يفهم منها هذا ولكنها ليست صريحة.

-سابعاً: قال الخطابي في"أعلام الحديث"3/1657:"امتناع زيد بن عمرو من أكل ما في السفرة إنما كان من أجل خوفه أن يكون اللحم الذي فيها مما ذبح على الأنصاب فتنزه من أكله، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يأكل من ذبائحهم التي كانوا يذبحونها لأصنامهم، فأما ذبائحهم لمأكلتهم فإنا لم نجد في شيء من الأخبار أنه كان يتنزه منها، ولأنه كان لا يرى الذكاة واقعة إلا بفعلهم قبل نزول الوحي عليه، وقبل تحريم ذبائح أهل الشرك، فقد كان بين ظهرانيهم، مقيماً معهم، ولم يُذكر أنه كان يتميز عنهم إلا في أكل الميتة، وكانت قريش وقبائل من العرب تتنزه في الجاهلية عن أكل الميتات، ولعله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يتّسع إذ ذاك لأن يذبح لنفسه الشاة ليأكل منها الشلو أو البضعة، ولا كان فيما استفاض من أخباره أنه كان يهجر اللحم ولا يأكله، وإذا لم يكن بحضرته إلا ذكاة أهل الشرك ولا يجد السبيل إلى غيره، ولم ينزل عليه في تحريم ذبائحهم شيء، فليس إلا أكل ما يذبحونه لمأكلتهم بعد أن تنزه من الميتات تنزيهاً من الله عز وجل له، واختياراً من جهة الطبع لتركها استقذاراً لها، وتقززاً منها، وبعد أن يجتنب الذبائح لأصنامهم عصمة من الله عز وجل له لئلا يشاركهم في تعظيم الأصنام بها".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت