فهرس الكتاب

الصفحة 2027 من 3657

فالقرآن في عصر الرسالة ، وعصر الخلفاء الراشدين كان مفهوماً لجميع أصحاب رسول. صلى الله عليه وسلم ولم يرد في رواية صحيحة أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غاب عنهم فهم ألفاظ القرآن من حيث الدلالة اللغوية البحتة ، وكل ما وردت به الرواية أن بعضهم سأل عن واحد من بضعة ألفاظ لا غير. وهى روايات مفتقرة إلى توثيق ، وقرائن الأحوال ترجح عدم وقوعها ، والألفاظ المسئول عنها هى:

غسلين ، قسورة ، أبَّا ، فاطر ، أوَّاه ، حنان. وقد نسبوا الجهل بمعانى هذه الكلمات إما إلى عمر بن الخطاب ـ رضى الله عنه ـ ، وإما إلى ابن عباس رضى الله عنهما ، وكلا الرجلين أكبر من هذه الاتهامات.

ومما يضعف إسناد الجهل إلى عمر رضى الله عنه ، بمعنى كلمة"أبًّا"أن عمر كما تقول الرواية سأل عن معناها في خلافته ، مع أن سورة"عبس"التى وردت فيها هذه الكلمة من أوائل ما نزل بمكة قبل الهجرة ، فهل يُعقَلُ أن يظل عمر جاهلا بمعنى"أبًّا"طوال هذه المدة (قرابة ربع قرن) ؟ أما ابن عباس رضى الله عنه فإن صحت الرواية عنه أنه سأل عن معانى"غسلين"و"فاطر"فإنه يحتمل أنه سأل عنها في حداثة سنه. ومعروف أن ابن عباس كان معروفاً بـ"ترجمان القرآن"ومعنى هذا أنه كان متمكناً من الفقه بمعانى القرآن ، وقد ورد أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا له قائلاً:

[اللهم فقهه في الدين ، وعلمه التأويل] .

هذا فيما يتعلق بشأن الروايات الواردة في هذا الشأن.

أما فيما يتعلق بالمؤلفات قديماً وحديثاً حول ما سمى بـ"غريب القرآن"فنقول:

إن أول مؤلف وضع في بيان غريب القرآن هو كتاب"غريب القرآن"لابن قتيبة (فى القرن الثالث الهجرى) وهذا يرجح أن ابن قتيبة ، لم يكتب هذا الكتاب للمسلمين العرب ، بل كان القصد منه هو أبناء الشعوب غير العربية التى دخلت في الإسلام ، وكانوا يتحدثون لغات غير اللغة العربية.

أما مسلموالقرنين الأول والثانى الهجريين ، والنصف الأول من القرن الثالث ، فلم يكن فيها ـ فيما نعلم ـ كتب حول بيان غريب القرآن ، سوى تفسير عبد الله بن عباس ـ رضى الله عنه ـ ، وكتاب"مجازات القرآن"لأبى عبيدة معمر بن المثنى (م 210هـ) وهما أعنى تفسير ابن عباس ، ومجازات أبى عبيدة ، ليسا من كتب الغريب ، بل هما: محاولتان مبكرتان لتفسير القرآن الكريم مفردات وتراكيب (1) .

ولما تقادم الزمن على نزول القرآن ، وضعف المحصول اللغوى عند الأجيال اللاحقة ، قام بعض العلماء المتأخرين ـ مثل: الراغب الأصفهانى ، صاحب كتاب"مفردات القرآن"، وجلال الدين السيوطى ، صاحب كتاب"مبهمات القرآن"ـ بوضع كتب تقرب كتاب الله إلى الفهم ، وتقدم بيان بعض المفردات التى غابت معانيها واستعمالاتها عن الأجيال المتأخرة.

وهذا يسلمنا إلى حقيقة لاحت في الأفق من قبل ، نعيد ذكرها هنا في الآتى:

إن ما يطلق عليه"غريب القرآن"فى بعض المؤلفات التراثية ومنها كتب علوم القرآن ، وما تناوله مفسرو القرآن الكريم في تفاسيرهم ، هو غريب نسبى لا مطلق ، غريب نسبى باعتبار أنه مستعار من لغات أخرى غير اللغة العربية ، أو من لهجات عربية غير لهجة قريش التى بها نزل القرآن وغريب نسبى باعتبار البيئات التى دخلها الإسلام ، وأبناؤها دخلاء على اللغة العربية ، لأن لهم لغاتٍ يتحدثون بها قبل دخولهم في الإسلام ، وظلت تلك اللغات سائدة فيهم بعد دخولهم في الإسلام وغريب نسبى باعتبار الأزمان ، حتى في البيئات العربية ، لأن الأجيال المتأخرة زمناً ضعفت صلتهم باللغة العربية الفصحى مفردات وتراكيب. وكل هذه الطوائف كانت ، وما تزال ، في أمس الحاجة إلى ما يعينهم على فهم القرآن ، وتذوق معانيه ، والمدخل الرئيس لتذوق معانى القرآن هو فهم معانى مفرداته ، وبعض أساليبه.

والغريب النسبى بكل الاعتبارات المتقدمة غريب فصيح سائغ ، وليس غريباً عديم المعنى ، أو لا وجود له في معاجم اللغة ومصادرها ، وهذا موضع إجماع بين علماء اللغة والبيان ، في كل عصر ومصر.

ولا وزن لقول من يزعم غير هذا من الكارهين لما أنزل الله على خاتم أنبيائه ورسله.

مسائل ابن الأزرق بقى أمر مهم ، له كبير صلة بموضوع"الغريب"فى القرآن ذلك الأمر هو ما عرف في كتب الأقدمين بـ"مسائل ابن الأزرق"ونوجز القول عنها هنا إيجازاً يكشف عن دورها في الانتصارللحق ، في مواجهة مثيرى هذه الشبهات ومسائل ابن الأزرق مسطورة في كثير من كتب التراث مثل ابن الأنبارى في كتابه"الوقف"والطبرانى في كتابه"المعجم الكبير"والمبرد في كتابه"الكامل". وجلال الدين السيوطى في كتابه"الإتقان في علوم القرآن"وغيرهم.

ولهذه المسائل قصة إيجازها: أن عبد الله بن عباس كان جالساً بجوار الكعبة يفسر القرآن الكريم ، فأبصره رجلان هما: نافع بن الأزرق ، ونجدة بن عويمر ، فقال نافع لنجدة"قم بنا إلى هذا الذى يجترئ على القرآن ويفسره بما لا علم له به. فقاما إليه فقالا له:"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت