فهرس الكتاب

الصفحة 3059 من 3657

ومن ثم ينشأ الجيل الجديد وقد ضعف الشخص الواقف في داخل النفس بالمرصاد، ولانت العصا فلم تعد تترك أثراً في الضمير، وتفككت التقاليد فلم تعد تمنع المحظور.

ويتراجع هذا الجيل..

ويأتي جيل يرى أمة قد تعرت، من شيء من الثياب وشيء مماثل من الفضيلة (والجسم والنفس صنوان في هذه الأمور!)

الولد الذي يرى أمه عارية لا تثور في نفسه نخوة الرجولة والحرص على الأعراض، فقد زالت في نفسه حرمة الجسد، وصار نهباً يباح للعيون، وبعد ذلك لما هو أكثر من العيون.

والبنت التي ترى أمها عارية لا تؤمن بالقيد.

ويلتقي هؤلاء الأولاد والبنات، يلتقون على شهوة الجسد الفائرة، ويلتقون بلا ضابط ولا حدود، وتتم الدورة المحتومة، والهاوية في آخر الطريق.

والبشرية - حين تترك وشأنها - قليلاً ما تتذكر، وقليلاً ما تتدبر عبرة التاريخ!

كل جيل يدفعه الغرور من ناحية، والنشوة الفائرة من ناحية أخرى، فيظن أن تجربته جديدة لم تمر على أحد من قبل، وأنه ليس مقيداً بسنة التاريخ.

ما أسهل ما يقول لنفسه: إن الأمة الفلانية قد انهارت لكذا، أو الشخص الفلاني قد تحطم لكيت. أما أنا فلن أقع في غلطته ولن يحدث لي ما حدث هناك. لن يفلت مني الزمام. لن أدع شيئاً يغلبني. سأصحو قبل أن أبلغ الهاوية. أنا شيء آخر غير الناس من قبل.

ويجيء"العلم"في القرن العشرين فينفخ في الناس نفخة كاذبة. يخيِّل لهم أنهم خلق غير ما مر من الأجيال في التاريخ كله. خلق لا تنطبق عليه سنة ولا يخضع لسابقة. إنه عصر الذرة وعصر الصاروخ. عصر يكتب تاريخه بنفسه، ينشئه على مزاجه، يخلق جديداً كل يوم؛ يفتح آفاقاً لم تتفتح من قبل؛"يقهر"الطبيعة ويسخرها بعد أن كانت هي التي تقهره وتسيره مرغماً في طريق لم يختره لنفسه ولا يد له في تكييفه!

كذلك ينفخ"العلم"في نفوس الناس. أو ينفخ فيهم شيطان الغرور:

(أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلّاً كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ) [79] .

ولقد أضل الشيطان هذا الجيل من البشرية كما لم يضل أحداً من البشر، لأنه أعرض بجانبه ونأى عن الله. وقال: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ) ! (ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) [80] .

وهذا الجيل من البشرية يخيل له أن ناج من سنة الله التي خلت من قبل. وناج من حتمية النتائج حين توجد الأسباب. وناج من الهاوية التي تفغر فاها في نهاية الطريق!

هذا وهو يرى بعينيه أن العالم كله مهدد بالدمار والخراب الرهيب!

أي غفلة تصيب الناس حين ينأون عن طريق الله وحين يغترون ويستكبرون؟!

(.. قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ) [81] .

نعم. حين تترك البشرية وشأنها فقليلاً ما تتذكر، وقليلاً ما تتدبر عبرة التاريخ.

إنهم لا يرون - ولا يريدون أن يصدقوا - أن هذا الطوفان الهائل من الفساد قد بدأ من نقطة الصفر! من النقطة التي ينفرج فيها ذراعا الزاوية، فرجة بسيطة للغاية في مبدأ الأمر، ثم تتسع الشقة كلما مضى الزمن وتتابعت الأجيال.

لا يرون - ولا يريدون أن يصدقوا - أن الكأس الأولى تتبعها الثانية. والقبلة الأولى تفتح الطريق للجريمة.

لا يرون - ولا يريدون أن يصدقوا - أن البشرية لم تقف يوماً عند القليل الذي لا يضر، ما دامت تبيحه على أنه أمر واقع، وأنه لا يضر! وإنما تجاوزته حتماً إلى الكثير الذي يغرق كالطوفان.

لا يرون - ولا يريدون أن يصدقوا - أن المجتمع - وهو النهر الذي يشرب منه الجميع - لا يمكن أن يظل بمنأى عن التلوث بينما الأقذار تلقى على الدوام فيه، ولا يمكن أن يظل الشاربون على سلامتهم وهم يشربون الأقذار.

ولكن الإسلام يصدق هذا لأنه يراه.

الإسلام كلمة الله في الأرض. والله هو الذي خلق الخلق وهو أدرى بما فطرهم عليه:

(أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [82] .

وقد حرص الإسلام حرصاً شديداً على هذا الأمر، لأنه يرى - بالعين البصيرة النافذة - تسلسل البشرية وتعاقب الأجيال وتماثل النتيجة عند تماثل الأسباب.

يرى الزاوية التي تبدأ من نقطة الصفر. ثم تبعد الشقة بين ذراعيها بُعْدَ ما بين الأبيض والأسود، والحلال والحرام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت