ومع ذلك فهي لم تصل إليها في سهولة ويسر، ولم تصدر فيها عن مشاعر إنسانية خالصة، تحس بقيمة"الإنسان"في ذاته، وتقدر حرمته وكرامته وحقوقه، وتعطف عليه حتى وهو يخطئ في حق الجماعة، ويهبط عن المستوى اللائق بالإنسان.. وإنما جاء ذلك بعد صراع مستمر عنيف، جرت فيه أنهار من الدماء وطاحت فيه كثير من الرءوس!
كان الوضع الذي استقر في أوربا فترة طويلة من الزمان، يقسم الناس إلى سادة في جانب وعبيد في جانب. سادة من"الأشراف"يجري في عروقهم دم مقدس! من لون غير دماء البشر العاديين! سادة هم الذين يملكون ويحكمون ويشرعون. وعبيد لا يملكون شيئًا، ولا يشرعون شيئاً، وكان ما لهم هو الذل والهوان المقيم.
وحتى القانون الروماني المشهور بعدالته"المثالية!"والذي يعتبر الأصل الذي تستمد منه القوانين الأوربية الحديثة في كثير من المسائل، حتى هذا كان قانوناً"للرومان فقط"! الذين يملكون حقوق المواطن الروماني. وقليل ما هم! أما بقية الشعب في إيطاليا نفسها، ودع عنك المستعمرات والملحقات والبلاد المغلوبة، فلم تكن تستمتع بهذا العدل الروماني، ولم تكن لها حصانة من العسف والاضطهاد. والفرق الهائل بين عدد الأحرار وعدد العبيد يرينا إلى أي حد كانت القلة القليلة تستمتع على حساب الكثرة المغلوبة. فقد كان الأحرار في روما سنة 204 ق. م. 214 ألفاً، وكان العبيد 20 مليوناً من البشر في إيطاليا، غير بقية المستعمرات!
ووجدت في بقاع الأرض - في أوربا وفارس والهند وسواها - قوانين صريحة تفرق بين الشريف والعبد في طريقة المعاملة أمام القضاء. وتنص على اختلاف العقوبة على العمل الواحد. فالعبد السراق يقتل، والشريف السارق يكتفي برد ما لديه! والمعتدي على الشريف - إن كان شريفاً مثله - فالعين بالعين والسن بالسن. أما المعتدي على العبد فجزاؤه الغرامة! والغرامة لا تؤدى إليه إنما تؤدى للسيد الذي يملك العبد، تعويضاً له عن"إتلاف"بعض ممتلكاته! أما السيد ذاته فله على عبده حق القتل والإبادة والتعذيب! وحتى حين كانت القوانين تخجل من هذه الصراحة فالتطبيق كان يأخذ نفس الروح: فالشريف لا يؤخذ بالظنة، ولا يحاكم إلا حين تثبت عليه التهمة، ويحكم عليه بأخف العقاب. والعبد - أي الشعب.. يسام التنكيل لأقل شبهة، ويعذب بوحشية ليعترف، ثم يوقع عليه العقاب البشع الذي لا يتناسب مع الجرم ولا يتناسب مع"الإنسانية"!
ولكن استمرار الحال على هذه الصورة البشعة لم يكن من المستطاع، فلا بد أن يثور العبيد لكرامتهم مهما طال عليهم الأمد وطال منهم السكوت..
وقامت الثورات بالفعل مزلزلة مدمرة وأطاحت بالرءوس.. رءوس الملوك والملكات والأشراف والنبلاء.. وتقررت - نظريا على الأقل - بعض حقوق الإنسان. تقررت له حرماته وحقوقه وضماناته. وكان من هذه الضمانات: ضمانة الحياة فلا يموت جوعاً. وضمانة الحياة فلا يعتدى عليه بغير الحق. وضمانة العيش فلا يموت جوعاً. وضمانة الحريات: حرية القول والاجتماع والسفر واختيار العمل. وضمانة العدالة في القضاء فلا يؤخذ المتهم بالشبهة، ولا يؤثر عليه في التحقيق بالوعيد ولا بالوعد.. ويفسر الشك في صالح المتهم، فلا يحكم عليه بالعقوبة الكاملة إلا حين تثبت التهمة بالدليل القاطع الذي لا شبهة فيه.
ثم كانت الثورة الصناعية في إنجلترا، وتلتها الحركة الرأسمالية في بلاد أوربا..
وللشيوعية رأي في الرأسمالية: أنها استعباد من رءوس الأموال للكادحين، وامتصاص لجهدهم الذي يبذلون فيه العرق والدماء والدموع ليتحول إلى ثراء فاجر في يد الرأسماليين العتاة..
وإنها لكذلك..
ولكن التاريخ قد وعى - رغم ذلك - حركة هائلة من التحرر في فترة الرأسمالية، نقلت الشعب من مقام العبودية المطلقة والهوان الكامل، إلى وضع أقل ما يقال عنه إنه يحمل من الضمانات السياسية والاجتماعية والقانونية ما يعترف بكرامة الفرد ويرد اعتباره إليه..
إنه يحمل من الضمانات السياسية والاجتماعية والقانونية ما يعترف بكرامة الفرد ويرد اعتباره إليه..
ولم يكن ذلك تفضلاً من"السادة"الحكام والملاك والمشرعين. ولا كان إحساساً منهم بالخير الفياض في نفوسهم، والتقدير"الحر"لكرامة الإنسان كان صراعاً طويلاً عنيفاً اصطدمت فيه القوى من الجانبين كما حدث من قبل في صراع العبيد ضد الإقطاع.. وإن كانت لم تصحبه الثورات الدموية من الشعوب ضد الحكام، لأن الثورة الفرنسية كانت قد قررت لهم المبادئ ولم يبق سوى التنفيذ، ولأن العمال كانوا يملكون السلاح الذي يواجهون به الرأسمالية وهو سلاح الإضراب!
كلا! لم تصل أوربا إلى العدالة عن تقدير صادق للكرامة الإنسانية، وشعور صادق بقيمة الإنسان! وإنما كانت خطوة خطوة يتراجعها السادة الحاكمون ليكسبها الشعب الحاقد الغضبان!