فهرس الكتاب

الصفحة 2668 من 3657

وقد ظهر تفويض السلطة في عهد الخلفاء الراشدين حينما كان سيدنا عمر بن الخطاب يطلق الحرية لعماله في الشؤون الوظيفية، ويقيدهم في المسائل العامة، أي يفوضهم بعضاً من السلطات ويراقب عملهم في حدود ذلك التفويض، وكان يختبر موظفيه بين الحين والآخر ليتأكد من كفاءاتهم وقدرتهم .

ويبدو ذلك جليًا في موقفه مع (كعب بن سور) حينما كان جالسًا عند عمر فجاءته امرأة تشكو زوجها فقال"لكعب: اقض بينهما فلما قضي قضاءه قال لكعب:"اذهب قاضيًا على البصرة"."

وهنا لا ينبغي للمشرف أن ينظر إلى التفويض على أنه تهرب من المسؤولية؛ لأنه المسؤول في النهاية عن نتائج إدارته، ومن ثم فهو يفوض طريقة العمل ولا يفوض المسؤولية .

كما أن التفويض ليس تخلصاً من المهام غير الممتعة، بأن يعهد بها المدير إلى أحد مرؤوسيه؛ إنما ينبغي أن ننظر إلى التفويض على أنه إيجاد البدائل القادرة على القيام بالصورة المثلى في المستقبل مستصحبة في أدائها الفعال ما سبق لها من تجربة ناضجة في أدائه .

التميز الإداري في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم(2/2)

إسلام عبد الله 5/8/1424

نحن نعقد الاجتماعات لكي يعبر كل فرد فيها عن وجهة نظره في القضايا المطروحة ، وحتى يتاح للمجتمعين هذا الأمر لابد من التركيز على الجوانب الإنسانية في الاجتماعات، وعدم الوقوف عند الجوانب الشكلية في الاجتماع ، ومن ثم كان جواز المرور لأي مدير فعال في إدارة اجتماعاته هو أن يدع كل فرد يعبر عما يؤرقه، وأن يجمع الآخرين حوله، ولا ينحاز لأحد داخل الاجتماع؛ بل يسعى جاهداً في أن يجعل مجموعته صفًا واحداً .

والمتأمل في مواقف النبي -صلى الله عليه وسلم- في إدارته لاجتماعاته يلمح هذا الأمر جلياً؛ فقد كان الرسول في اجتماعاته ومجالسه"لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر ولا يوطن الأماكن وينهى عن إيطانها (أي اختصاص كل واحد بمجلس معين في المسجد أو غيره ) وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك ويعطي كل جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه ، من جالسه أو قاومه (وقف معه قائمًا) في حاجة صابَره حتى يكون هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجة لم يرد إلا بها أو بميسور من القول".

أما عن سيرته في جلسائه: فقد"كان الرسول دائم البِشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ (سيئ الخلق) ، ولا غليظ، ولا سخاب (صياح) ، ولا فحاش ولا عياب، ولا مزّاح .. يتغافل عما لا يشتهي، ولا يؤيس منه راجيه ولا يخيب فيه ..".

فقد ترك نفسه من ثلاث: المراء (الجدل) ، والإكثار ، وما لا يعنيه .

وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحداً ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه .

إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير فإذا تكلم سكتوا، وإذا سكت تكلموا، ولا يتنازعون عنده ( أي لا يتكلمون سوياً ) ، ومن تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ .

مهارة المتابعة وتقويم الأداء

إن وجود هدف مخطط له في أية مؤسسة أو في أي عمل من أعمال الفريق لا يعني أن الهدف قد تحقق .

ومن ثم كان على المدير أو المشرف أن يقوم بمجموعة من الأساليب والإجراءات لكي يتأكد من أن ما تم إنجازه مطابق لما يجب أن يكون، ومحققا له ، ولك أن تتخيل ماذا يحدث لو تركنا كل شئ يجري دون أن نتأكد من أن ما يتحقق أو ما تحقق مطابق للأهداف .

فالمدير الناجح أو المشرف الناجح مثل قائد السفينة، لا يمكن ولا يصح أن يترك عملية الرقابة حتى يكتشف أنه ضاع أو تاه؛ بل يجب عليه أن يتأكد أن سفينته في طريقها للهدف المحدد لها بالكفاءة المحددة مقدماً .

وقد تواترت المواقف النبوية التي تشير إلى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم- قد أولى المتابعة أهمية خاصة ، وصحح من خلالها كثيراً من الأخطاء التي وقع فيها الصحابة -رضوان الله عليهم-، وتعددت مناهج هذه المتابعة؛ فتارة نجدها قبل العمل، وتارة أثناء العمل، وتارة أخرى بعد انتهاء العمل .

في قصة"كعب بن مالك"وتخلفه عن غزوة تبوك قدوة ومثل؛ فقد جاء كعب بن مالك فلما سلم عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال له: تعال قال فجئت أمشي حتى جلست بين يديه؛ فقال لي"ما خلّفك ؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك ؟"فقلت: بلى، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت إني سأخرج من سخطه بعذر ، ولقد أعطيت جدلاً ، ولكني والله لقد علمت إن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به ليوشكن الله أن يسخطك عليّ ولئن حدثتك حديث صدق تجد عليّ فيه إني لأرجو فيه عفو الله عني، والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك؛ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك"فقمت .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت